مسعود ، فكان ولده أبو المؤيد محمد بن أبي إسماعيل يكتب الطغراء مع الملك . فلما وصل والده استوزره مسعود بعد أن عزل أبا علي بن عمار صاحب طرابلس سنة ثلاث عشرة وخمسمائة بباب خويّ ، فحسّن ما كان دبيس يكاتب به من مخالفة السلطان محمود والخروج عن طاعته ، وظهر ما هم عليه من ذلك فبلغ السلطان محمودا الخبر فكتب إليهم يخوفهم إن خالفوه ويعدهم الإحسان إن أقاموا على طاعته وموافقته ، فلم يصغوا إلى قوله ، وأظهروا ما كانوا عليه وما يسرونه ، وخطبوا للملك مسعود بالسلطنة وضربوا له النّوب الخمس . وكان ذلك على تفرق من عساكر السلطان محمود ، فقوي طمعهم وأسرعوا السير إليه ليلقوه وهو مخفّف من العساكر .
فاجتمع إليه خمسة عشر ألفا ، فسار أيضا إليهم فالتقوا عند عقبة أسد آباذ منتصف ربيع الأول ، واقتتلوا من بكرة إلى آخر النهار . وكان البرسقي في مقدمة السلطان محمود وأبلى يومئذ بلاء حسنا ، فانهزم عسكر السلطان مسعود آخر النهار وأسر منهم جماعة كثيرة من أعيانهم ومقدميهم وأسر الأستاذ أبو إسماعيل وزير مسعود فأمر السلطان بقتله . وأما الملك مسعود فإنه لما انهزم أصحابه وتفرقوا قصد جبلا بينه وبين الوقعة اثنا عشر فرسخا ، فاختفى فيه ومعه غلمان صغار ، فأرسل إلى أخيه يطلب الأمان ، فبذله له وأمر آقسنقر البرسقي بالمسير إليه وتطييب قلبه واعلامه بعفوه عنه وإحضاره ، فكان مسعود بعد أن أرسل يطلب الأمان قد وصل بعض الأمراء إليه وحسّن له اللحاق بالموصل ، وكانت له مع أذربيجان . وأشار عليه بمكاتبة دبيس بن صدقة ليجتمع به ويكثر جمعه ويعاود طلب السلطنة ، فسار معه من مكانه ووصل البرسقي فلم يره فأخبر بمسيره فسار في أثره وعزم على طلبه ولو إلى الموصل . وجدّ في السير فأدركه على ثلاثين فرسخا من مكانه ذلك وعرّفه عفو أخيه عنه وضمن له ما أراد وأعاده إلى العسكر .
فأمر السلطان محمود العساكر باستقباله وتعظيمه ، ففعلوا ذلك . وأما دبيس فإنه كان بالعراق ، فلما بلغه خبر انهزام الملك مسعود نهب البلاد وأخربها وفعل فيها الأفاعيل القبيحة إلى أن أتاه رسول السلطان محمود وطيّب قلبه فلم يلتفت .
ولما كان من دبيس ببغداد وسوادها من النهب والقتل والفساد وما لم يجر مثله أرسل إليه الخليفة المسترشد باللّه رسالة ينكر عليه ويأمره بالكف .
تاريخ الشيعة السياسي الثقافي الديني — صفحة 292
مساهمون: الشيخ سليمان ظاهر
ص٢٩٢