وقد اقتصرت إقامة الخطبة للخليفة الجديد ( المقتفى على بعض أنحاء العراق ، على حين استمرت للخليفة الراشد الذي كان يقيم في الموصل ويتمتع بحماية زنكى . واستطاع أعوان المقتفى أن يقنعوا عماد الدين زنكى بأخذ البيعة للخليفة الجديد ، فكافأه بإقطاعه بعض أملاكه الخاصة وزاد في ألقابه ( 530 ه ) « 1 » ، وأخذ كل من الخليفة الجديد وعماد الدين زنكى العهود والمواثيق كل على الآخر ، وأرسل محضر بخلع الراشد وتوليه المقتفى ، فقرئ على منابر مساجد الموصل وأقر قاضى القضاة والوزير وزنكى .
عند ذلك اتجه الراشد إلى مراغة ( في أذربيجان ) ثم سار إلى أصبهان حيث قتل على أيدي الباطنية كما قتل أبوه من قبل « 2 » . وقد عزا ابن الجوزي « 3 » موقف زنكى إلى ضعف قواته العسكرية خلال صراعه ضد السلطان مسعود وتعرض إمارته لهجوم جيوشه وخوفه من بطش السلطان سنجر . وكان زنكى يرمى إلى تحقيق سياسته وهي توحيد الموصل والجزيرة والشام لتكوين جبهة إسلامية موحدة تقف في وجه الصليبيين .
وقد أدى موقف عماد الدين زنكى من السلطان مسعود إلى تحسن العلاقة بينهما .
وفي شهر ربيع الأول سنة 532 ه بعث السلطان مسعود رسوله إلى الموصل يحمل الخلع إلى زنكى .
وقد أدرك عماد الدين زنكى خطورة الأحوال في شمالي الشام وتهديد الصليبيين مدينة حلب ، فأرسل قاضيه إلى السلطان مسعود يطلب منه العودة لدرء هذا الخطر ، على أن القاضي خشي أن تستخدم قوات السلطان في تهديد إمارة زنكى نفسها فقال : « إنني أخاف أن تخرج البلاد من أيدينا ويجعل السلطان هذا حجة فيرسل قواته ، فإذا وصلوا إمارتنا استولوا عليها » . على أن عماد الدين زنكى آثر المصلحة الدينية على المصلحة الشخصية ، فرد على قاضيه ردا تتمثل فيه هذه الروح الإسلامية العالية فقال : « إن الصليبيين قد طمعوا في البلاد ، وإن هم استولوا على حلب لم يبق في الشام إسلام . وعلى كل حال فالمسلمون أولى بها من الكفار » « 3 » . وفي شهر رمضان سنة 532 ه وصل رسول السلطان مسعود إلى عماد الدين زنكى وهو على أبواب مدينة حمص يهنئه على ما أحرزه من نصر على الصليبيين
هامش
( 1 ) ابن الأثير : الكامل ج 11 ص 18 - 19 ؛ الباهر ص 54 .
( 2 ) ابن واصل : مفرج الكروب : ج 1 ص 70 .
( 3 ) ابن الجوزي : المنتظم : ج 10 ص 67 .