والتحفظ والعزم والتيقظ » . وقد قامت الوحشة بين الخليفة المسترشد وبين مسعود ودارت الحرب بينهما ، وأسر الخليفة وحبس بقلعة قريبة من همذان . ولما بلغ ذلك أهل بغداد حسوا التراب على رؤوسهم وبكوا ، وخرج النساء حاسرات يندين الخليفة ومنعوا الخطبة والصلاة . قال ابن الجزري : وتعرضت حاضرة العباسيين عشرين يوما كانت تقع الزلازل خمسا أو ست مرات في اليوم وأخذ الهلع من قلوب الناس كل مأخذ ، حتى إن سنجر عميد البيت السلجوقى بعث إلى ابن أخيه مسعود يقول : « ساعة وقوف الولد غياث الدنيا والدين على هذا المكتوب يدخل على أمير المؤمنين ويقبل الأرض بين يديه ويسأله العفو والصفح ، ويتنصل غاية التنصل ، فقد ظهر عندنا من الآيات السماوية والأرضية ما لا طاقة لنا بسماع مثلها ، فضلا عن المشاهدة من العواصف والبروق والزلازل . وتشويش العساكر وانقلاب البلدان . ولقد خفت على نفسي من جانب اللّه وظهور آياته وامتناع الناس من الصلاة في الجوامع ومنع الخطباء ما لا طاقة لي بحمله . فاللّه اللّه ! تتلاقى أمرك وتعبد أمير المؤمنين إلى مقر عزّه ، وتحمل الغاشية « 1 » بين يديه كما جرت عادتنا وعادة آبائنا ، فنفذ مسعود ما أمر به وقبّل الأرض بين يدي الخليفة ووقف يسأله للعفو . ثم أرسل سنجر رسولا آخر ومعه عسكر يستحث مسعودا على إعادة الخليفة إلى « مقر عزه » . وقد ذكر السيوطي أن جند السلطان سنجر ضم سبعة عشر من الباطنية ، قيل إن مسعودا هو الذي دسهم ، وأنهم هجموا على الخليفة وهو في خيمته وقتلوه وقتلوا جماعة من أصحابه ، ولم يشعر بهم حرس الخليفة إلا بعد أن ارتكبوا جريمتهم ، فقبضوا عليهم وقتلوهم .
على أن السلطان مسعودا ظهر بمظهر الحزن ، فجلس للعزاء ، واشتد بكاء الناس ، ونمى هذا النبأ إلى أهل بغداد ، فخرجوا حفاة ممزقى الثياب ، وخرجت النساء ناشرات الشعور يلطمن ويرثين الخليفة الذي كان محبّبا إليهم لما عرف عنه من الورع والتقوى والشجاعة وبعد الهمة والعدل والرفق بالناس . ويعزو المؤرخون انهزام الخليفة إلى تخلى جند الأتراك الذين انضضووا تحت لواء السلطان مسعود ، على الرغم من تفوق جيش الخليفة الذي ضم كثيرا من الفقهاء والصوفية والشعراء والأطباء ، وقد وصف السيوطي « 2 » الخليفة المسترشد فقال إنه كان خطيبا مقوها وأديبا لامعا وشاعرا مجيدا ، كما كان محدثا متفقها في الدين ، خطب المسترشد يوم عيد أضحى فقال :
هامش
( 1 ) لعل سنجر يقصد أن مسعودا يجب أن يقف خاشعا متضرعا أمام الخليفة سائلا إياه العفو والصفح عما بدر منه ، ذاكرا أقوال يوم القيامة على ما ورد في سورة الغاشية والغاشية هي يوم القيامة الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون ولا سلطان ولا جاه إلا من أتى اللّه بقلب سليم .
( 2 ) تاريخ الخلفاء ص 286