وكان ملوك فارس يسمون كتاب الرسائل تراجمة الملوك ، وكانوا يقولون لهم :
لا تحملنكم الرغبة في تخفيف الكلام على حذف معانيه ، وترك ترتيبه والإبلاغ فيه ، وتوهين حججه .
وكانت الكتابة في عهد الفاطميين تلى الوزارة في الرتبة ، فقد كانت إحدى المناصب العالية التي كان الخلفاء لا يسندونها إلا لمن أنسوا فيهم الكفاية والقدرة على معالجة الأمور ، كما كانت الخطوة الأولى إلى الوزارة إذا ما حاز صاحبها رضاء الخليفة .
وقد اتخذ المعز لدين اللّه الفاطمي جوهرا الصقلى كاتبا له سنة 341 ه ، لأنه كان كاتبا بلبغا ، كما كان عفّا جم الأدب في كتابته . وكان الكاتب في عهد الفاطميين في مصر يقوم بعمل الوزير إذا رضى عنه الخليفة ، ويسمى أحيانا صاحب الوساطة .
ومن ثم لم يكن هناك اختلاف في الوظيفة بين الوزير والكاتب وصاحب الوساطة .
وكان صاحب الإنشاء والمكاتبات في عهد الفاطميين يتقاضى راتبا شهريا قدره مائة وخمسون دينارا ، ويتقاضى كل كاتب من الكتاب الذين يعملون تحت إدارته ثلاثين دينارا . ويلي صاحب الإنشاء في الرتبة صاحب القلم الدقيق ، الذي كان يوقع على للظالم ، ويجالس الخليفة في خلوته ، فيدارسه كتاب اللّه ويتلو عليه سير الأنبياء والخلفاء وعظماء الرجال ويحدثه عن مكارم الأخلاق ، ويعلمه تجويد الخط ، وكان راتبه مائة دينار في كل شهر ، وإذا جلس وضعت أمامه دواة محلاة بالذهب والفضة ، فإذا انتهى المجلس ألقى في هذه الدواة عشرة دنانير مكافأة له ، وقرطاس فيه ثلاثة مثاقيل ند « 1 » ممزوج بالمسك ، ليتبخر به عند دخوله على الخليفة في المرة التالية .
ولما أصبح الوزير في آخر أيام الدولة الفاطمية صاحب السيف والقلم أخذ يجلس المظالم ، وإلى جانبه صاحب القلم الدقيق بدل كاتب السر . وكانت له سلطة التوقيع تحت توقيع الوزير ، بل النظر في الشكاوى قبل انعقاد مجلس النظر في المظالم .
ويلي صاحب القلم الدقيق في الرتبة صاحب القلم الجليل ، ويقوم بتسلم رقاع المظالم من صاحب القلم الدقيق ووضعها في الصيغة القانونية قبل أن تعرض على الخليفة للتصديق عليها . وكان الكتاب يختارون عادة ممن اشتهروا بسعة الاطلاع في الأدب وامتازوا بالقدرة في فن الإنشاء « 2 » .
هامش
( 1 ) الند ( بالفتح ) : عود يتخربه وقيل : العنبر .
( 2 ) القلقشندي : صبح الأعشى ج 3 ص 490 - 492 .