ولما مات الملك الصالح نجم الدين أيوب ( نوفمبر 1249 ) أخفت زوجته شجر الدر خبر موته حتى لا يتطرق الضعف إلى نفوس المسلمين أمام الصليبيين الذين تقدموا بقيادة لويس التاسع ملك فرنسا إلى المنصورة وكادوا يدخلون قصر السلطان . ولكن المصريين بقيادة بيبرس أحلوا الهزيمة بالفرنسيين وطاردوهم وقضوا على جيشهم في موقعة فارسكور سنة 1250 م وحملوهم على إخلاء دمياط .
وبذلك اشتد نفوذ المماليك الذين كانوا يكونون الجزء الأعظم من جيش الملك الصالح نجم الدين أيوب ، وقتلوا ابنه توران شاه لسوء معاملته لهم ، وولوا شجر الدر زوجة أبيه السلطنة . فقربت إليها المماليك ومنحتهم الإقطاعات وخففت الضرائب عن الناس . ولكن المصريين كرهوا حكمها ، إذ لم تجر عادة المسلمين أن يتقلد حكمهم امرأة .
ولما أرسل أمراء المماليك إلى الخليفة العباسي المعتصم ببغداد يطلبون منه إقرار تولية شجر الدر حكم مصر ، أرسل كتابا يقول فيه : « إن كانت الرجال قد عدمت عندكم فأخبرونا حتى نسير إليكم رجلا » « 1 » . ولما علمت شجر الدر بذلك آثرت المحافظة على كيان الدولة ، وأعربت عن رغبتها في خلع نفسها من الحكم حفظا لكرامتها من أن تمتهن بالعزل ، فأشار عليها القضاة والأمراء بأن تتزوج من عز الدين أيبك « 2 » أتابك « 3 » المعسكر ، وتفوض إليه أمور المملكة ، فنزلت عن حكم مصر بعد ثمانين يوما « 4 » أظهرت فيها حكمة نادرة في تصريف الأمور .
ولما تخلت شجر الدر عن العرش نصب المماليك عز الدين أيبك سلطانا عليهم ولقبوه المعز . على أن أيبك أثار غضب زوجته شجر الدر بسبب خطبته إحدى أميرات الموصل فتآمرت على اغتياله ، فقتل سنة 1257 م ، فانتقم له ابنه نور الدين الذي تقلد السلطنة من بعده ، فأوعز إلى بعض الجواري فقتلها . ثم اجتمع العلماء والقواد ، وخلعوا نور الدين ، وقلدوا قطز ( بضم القاف والطاء ) سلطنة مصر .
هامش
( 1 ) المقريزي : السلوك ج 1 القسم الثاني ص 368 .
( 2 ) بفتح الألف والباء وسكون الياء .
( 3 ) ومعناه مربى الأمير . وأول من لقب بهذا اللقب نظام الملك وزير السلطان ملكشاه السلجوقى ، الذي فوض إليه تدبير المملكة سنة 565 ه . وقد تحول هذا اللقب لقبا عسكريا في عصر المماليك فأصبح يطلق على القائد العام للجيش .
( 4 ) ابن إياس : تاريخ مصر ج 90 .