ثم جمعوا صفوفهم ويمموا شطر الشمال ، وقاتلوا الزناتيين المتنازعين المتنافرين في سجلماسة ونواحيها ومهدوا بذلك السبيل لقيام الدولة المرابطية .
ثانيا : العامل الاقتصادي . فقد كانت الحرب التي نشبت بين الملثمين والغانيين في الواقع نزاعا على الطريق التجاري الذي يمر بسجلماسة شمالا وأودغشت جنوبا ، إذ كان أهل السودان يتبادلون السلع التجارية مع أهل الجنوب ، فيرسلون إليهم التبر والصوف والإبل ، على حين يرسل أهل الشمال القمح والقطانى ويسيطرون على تجارة الملح ويستولون من القوافل على مورد هام من المكوس . فلما أقصى الغانيون الملثمين من أودغشت ، فقد هؤلاء هذه الموارد وفكروا في الزحف شمالا ، وكونوا للدولة المرابطية التي كان لها أثر بعيد في حياة المغرب الاقتصادي .
ثالثا : العامل الديني ، وذلك أن الأشراف في قبائل الملثمين كانوا يؤلفون الطبقة الأرستقراطية . وقد فرض الزناتيون المكوس في سجلماسة ، وعمل المرابطون على إقامة حدود الدين ونشر الإسلام في كافة أرجاء المغرب ، وأسسوا دولة أخضعت المغرب ومدت نفوذها من طنجة شمالا إلى نهر النيجر جنوبا ومن وادى شلف شرقا إلى المحيط الأطلسى غربا وإلى بلاد الأندلس شمالا .
أما العوامل الخارجية التي ساعدت على قيام دولة تعيد إلى المغرب الإسلامي وحدته وتصد عنه هجمات أعدائه وتحافظ في ظل الخلافة العباسية على مبدأ الوحدة الإسلامية في وقت تفككت فيه عرى العالم الإسلامي ونشط النصارى إلى استعادة أملاكهم بالأندلس . فقد أخذ نفوذ الفاطميين في الضعف ، واستولى السلاجقة على بغداد ، وأخذ المسلمون يدخلون في ذلك الصراع العنيف مع الصليبيين ، واحتل النورمنديون المهدية وزويلة من يد الصنهاجيين سنة 470 ه ( 1077 م ) ، ثم عادوا فاحتلوهما في سنتي 517 ، 544 ه ، واحتل الصليبيون بيت المقدس سنة 489 ه ( 1096 م ) ، ودخل المرابطون في حروب مع قشتالة وأراغون في الأندلس . ولم يكن يحيى بن إبراهيم الجدالى شيخ لمتونه ولا عبد اللّه بن ياسين يفكران في إقامة دولة وراثية . ومع ذلك فقد كانت إقامة هذه الدولة هي السبيل الوحيد إلى إنشاء نظام حكومي يضمن له الاستقرار ويتلاءم مع الأوضاع التي كانت سائدة بهذه البلاد في ذلك العصر .
ولم يفكر المرابطون في الاعتراف بالخليفة الفاطمي في القاهرة ، لسوء اعتقادهم فيهم وعدائهم لهم بسبب تدخلهم في شؤونهم ، وتضامنا مع خلفائهم صنهاجة الذين قطعوا الخطبة
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي ) — صفحة 312
مساهمون: حسن ابراهيم حسن
ص٣١٢