سلما إلى التعارف بين سلاطيننا ، خلد اللّه ملكهم ، وتأكد سبب المودة بينهم ، انتهاء منا إلى ما قال اللّه سبحانه وتعالى
( لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ )
( سورة النساء 4 : 114 ) واتفق من الأمر سبق ابن مسلمة إلى باطله ، حتى عمل سحره ونفذ كيده ، وحصل الركاب العالي ( السلطان طغرلبك ) ببغداد . وانبثت الكتب يمينا وشمالا بكون قصده لقضاء حق الخليفة ( القائم ) والسلام عليه والتبلغ بعده إلى مصر « 1 » » .
أما الخطيب البغدادي فيرى أن الخليفة القائم قد صح عنده سوء عقيدة البساسيرى .
وشهد عنده جماعة من الأتراك أنه عرفهم وهو إذ ذاك بواسط ، عزمه على نهب دار الخلافة والقبض على الخليفة ، فكاتب الخليفة طغرلبك يستنهضه على المسير إلى العراق .
وقد ذكر الذهبي « 2 » أن الخليفة القائم نمى إليه أن البساسيرى كان يكاتب الفاطميين في مصر ، وطلب إلى الملك الرحيم أن يبعد البساسيرى . وكان ذلك من أهم العوامل التي أدت إلى استيلاء طغرلبك على العراق .
وفي الحق أن العداء الذي قام بين الخليفة العباسي والبساسيرى كان عداء بين العباسيين والبويهيين ، وبعبارة أخرى بين السنيين والشيعيين . وقد كشف الخليفة القائم عن حقيقة تقرب بنى بويه من الفاطميين على يد المؤيد في الدين الشيرازي ، وأدرك الخطر الذي يهدد الخلافة العباسية السنية من ناحية الخلافة الفاطمية الشيعية . وليس من شك في أنه كان بين جند بنى بويه من الديلم والأتراك عدد غير قليل ، على رأسهم البساسيرى ، يرى وجوب تحويل الخلافة إلى الفاطميين . فعمل الخليفة العباسي الفائم على الحد من نفوذ البساسيرى وأنصاره ، وعزم على إبعادهم عن بغداد ، وتمهيد السبيل لدخول السلاجقة إليها . ولم يكن استنجاد الخليفة العباسي بالسلاجقة إليها أمرا مستبعدا ، فقد جرى الخلفاء العباسيون على هذه السياسة ، فاستعانوا بالفرس على العرب في تأسيس دولتهم ثم استعانوا بالأتراك على الفرس منذ عهد المعتصم ، وراسلوا بنى بويه ليخلصوهم من استبداد الأتراك ، وكتبوا إلى طغرلبك السلجوقى ليخلصهم من تحكم البساسيرى وأنصاره حينما أراد تحويل الدعوة إلى الفاطميين في مصر ، بل إنه أوفد الرسل إلى خوارزم شاه ليقيهم شر السلاجقة . وكانت العوامل التي دفعت الخلفاء العباسيين إلى الاستنجاد ببنى بويه والسلاجقة وخوارزم شاه هي نفس العوامل التي دفعتهم إلى الاستنجاد بالتتار .
هامش
( 1 ) الخطيب البغدادي . تاريخ بغداد ج 9 ص 400 .
( 2 ) تاريخ الإسلام ، مخطوط بدار الكتب المصرية ، مخطوط مصور قم 396 تاريخ ج 3 ورقة 22 .