ظل ابن تومرت سنوات يطلب العلم بالمشرق ثم عاد إلى بلاده حاملا أفكارا جديدة وآمالا بعيدة . فحج بيت اللّه وأخذ ينشر الدعوة الموحدية في مكة ، آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر . وكانت مكة إذ ذاك خاضعة للحكم الفاطمي . فلم يكن بد إذن من أن يندد بسوء حال المسلمين في عهد الفاطميين . لذلك نرى ابن تومرت يغادر مكة ثم يتجه إلى الشام ثم إلى مصر مركز الدولة الفاطمية إذ ذاك . وقد قيل إنه اتصل بالفقيه أبى بكر الطرطوشى في الإسكندرية . وهنا أخذت الدولة الفاطمية تطارد ابن تومرت خشية انتشار مبادئه الثورية بين الناس ، فركب البحر واتجه إلى المغرب ، وقد اختلف المؤرخون في اسم المدينة التي نزلها ابن تومرت بعد خروجه من مصر . فيرى ابن خلدون أنه حل بمدينة طرابلس حيث أخذ ينشر مذهبه الجديد في التوحيد الذي يقوم على تأويل المتشابه من القرآن الكريم والحديث الشريف ، مشددا النكير على علماء المغرب في عدولهم عن التأويل . ثم قام ابن تومرت بتدريس علم التوحيد لتوضيح مذهبه الجديد وأخذ الناس بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر .
على أن علماء المغرب المالكية السلفيين لم يتقبلوا مذهب ابن تومرت بل قاوموه عنف حتى « لقى بسبب ذلك أذايات في نفسه احتسبها من صالح عمله » على حد تعبير ابن خلدون « 1 » . وقد ذكر البيدق أن ابن تومرت نزل بمدينة تونس ثم بمدينة قسنطينة ثم بمدينة بجايه ، ثم انجه إلى تونس ، وكان طلبتها يأخذون العلم عليه . وقد أضاف البيدق قائلا : « وظل ( ابن تومرت ) على هذا أياما . فلما كان بعض الأيام قال : نتوجه إنشاء اللّه نحو الغرب ، فخرجنا من تونس ونحن أربعة نفر كنا أول لقدوم : سيدنا المعصوم ، ويوسف الدكالى ، والحاج عبد الرحمن ، وعبدكم الفقير المؤلف لهذا أبو بكر بن علي الصنهاجى المكنى بالبيدق . فلم نزل نجد السير حتى وصلنا قسنطينة » . ثم يذكر البيدق أن ابن تومرت أقام بمدينة قسنطينة يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر . ثم خرج منها إلى مدينة بجاية « 2 » .
ذكر ابن خلدون أن ابن تومرت التقى بتلميذه عبد المؤمن بن علي بعد خروجه من مدينة بجاية بقرية تبعد عنها بفرسخ واحد « 3 » ويبالغ مؤرخو الموحدين في وصف لقاء
هامش
( 1 ) العبر ج 6 ص 467 .
( 2 ) البيدق : أخبار المهدى بن تومرت ، ص 51 .
( 3 ) ابن خلدون : العبر ج 6 ص 467 .