فاستحضره وهان عليه أمره وقال له : ما هذا الذي بلغنا عنك ؟ وما بلغك أيها الأمير ؟
إنما أنا رجل فقير طالب الآخرة ولست بطالب دنيا ولا حاجة لي بها ، غير أنى آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر ، وأنت أولى من يفعل ذلك فإنك المسؤول عنه . وقد عاب اللّه تعالى قوما تركوا النهى عن المنكر فقال تعالى :
« كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ »
( سورة المائدة 5 : 79 ) » « 1 » .
فلما سمع السلطان كلام ابن تومرت أكبره وعظمه وأشار إلى وزرائه بإحضار الفقهاء لمناظرته وتحقيق مقالته . ولما حضر الفقهاء قال لهم السلطان : « إنما بعثت إليكم لتختبروا أمره ، فإن كان عالما اتبعناه وإن كان جاهلا أدبناه » « 2 » .
من ذلك نرى أن السلطان الورع علي بن يوسف بن تاشفين قد تأثر بكلام ابن تومرت ، وأنه بعث إلى العلماء ليستمعوا بدورهم إلى آرائه ويختبروا علمه . فإن كان على حق قضت الضرورة باتباعه ، وإن كان باطل فينبغي أن يؤدب . وإذا كان السلطان يريد أن ينزل العقاب بابن تومرت لما رأى ضرورة لطلب العلماء لمناظرته واختباره .
على أن علماء المرابطين برياسة مالك بن وهيب حقدوا على ابن تومرت لأنهم عجزوا عن مناظرته . وقد اشتهر ابن تومرت بقوة الجدل والمناظرة فقال لهم :
« قدموا من تقوم به حجتكم ، وتأدبوا بأدب أهل العلم وسلموا عند شروط المناظرة واتركوا اللجاج ، وقدموا أحدكم ممن تثقون بمعرفته وتأدبه . وكان جل من حضر ذلك المجلس أصحاب حديث وفروع ( فقه ) وليس فيهم من له معرفة بالأصول والجدل » « 3 » .
ولما سمع مالك بن وهيب كلام ابن تومرت استشعر حدة ذكائه وقوة عبارته وأيقن بعجزه وعجز علماء المرابطين عن دفع حججه ، فأشار مالك على السلطان بقتل ابن تومرت وقال مشيرا إليه : هذا رجل مفسد لا تؤمن غائلته ولا يسمع كلامه أحد إلا مال إليه ، وإن فر إلى بلاد المصامدة وقع لنا منه شر كثير . ولكن علي بن يوسف الذي عرف بورعه وزهده استشعر حقد العلماء على ابن تومرت ، فلم يستمع إلى نصيحة مالك ولم يفكر في قتل
هامش
( 1 ) ابن أبي زرع : روض القرطاس ج 2 ص 108 .
( 2 ) المصدر نفسه ج 2 ص 109 .
( 3 ) المصدر نفسه ج 2 ص 110 .