المدينة ، أم قضى فيها شطرا من حياته ، أم وفد إليها من مكان آخر لتلقى العلم على وأجاج ابن زللو ، فإنه مما لا ريب فيه أنه كان لهذه المدينة أثر بعيد في تكوين شخصية عبد اللّه بن ياسين من جهة ، وفي أنه وقف عن طريقها على المشاكل السياسية والحركات الفكرية التي عرفها المغرب في أيامه من جهة أخرى .
وأما عن المذهب المالكي الذي كان عبد اللّه بن ياسين يدين بتعاليمه ، فإن الإسلام لم يكد يستقر في المغرب حتى تعرضت للاختلافات المذهبية التي انتشرت في الشرق الإسلامي زهاء ثلاثة قرون حتى قدر للمذهب المالكي أن تكون له السيادة بعد أن ظل في صراع مستمر مع غيره من المذاهب . وكانت سيادة هذا المذهب من أبرز نتائج الدعوة المرابطية .
ويظهر أن فقهاء المذهب المالكي ظلوا منذ سقوط دولة الأدارسة سنة 375 ه إلى قيام الدولة المرابطية في صراع مع المذاهب الأخرى من شيعة وخوارج وبرغواطية ، عاملين على توطيد مذهبهم ، فأقاموا شبكة من المراكز تمتد من إفريقية ( تونس الحالية ) إلى السوس الأقصى . وقد اشتهر من هذه المراكز :
القيروان ، وفاس ، ونفيس . وإذا كانت الخصومة قد اشتدت بين المالكية السنيين وبين الدويلات التي قامت في المغرب من شيعيين وخوارج وبرغواطيين ، فإن المالكية قد ظلوا خلال هذا الصراع يعقدون الآمال على ظهور زعامة إسلامية توحد العالم الإسلامي وتعيده إلى السنية والسلفية . لذلك لم يكن عمل هؤلاء المالكية ذا صبغة فقهية فحسب ، بل كان كذلك مظهرا دينيا وسياسيا يهدف إلى بعث حركة إصلاحية تنطلق من أحد هذه المراكز لتقيم الدولة المغربية السنية في المغرب أولا ثم في سائر العالم الإسلامي ثانيا .
وإذا كان الفقيه المالكي وأجاج بن زللو اللمطى قد تحمل مشاق الرحلة من الجنوب المغربي ليأخذ العلم على الفقيه أبى عمران الفاسي المالكي في القيروان ، ثم يعود إلى هذا الجنوب المغربي ليؤسس مدرسة للفقه المالكي تضم طائفة من أبناء الجنوب رغبة في إعداد جبل يقوم بنصرة هذا المذهب ، فقد كان عبد اللّه بن ياسين أحد أولئك التلاميذ الذين كانوا يهيئون للقيام بهذا الدور الذي يتفق وأهداف المالكية . وليس من شك في أن غرض وأجاج بن زللو في مدرسته بنفيس قد تحقق في شخص عبد اللّه بن ياسين الذي لم يغادر نفيس يوم ندبه شيخه للتوجه إلى الصحراء مع الأمير الملثم يحيى بن عمر إلا وهو مؤمن بأن المغرب في حاجة ملحة إلى الإصلاح ، وأن أستاذه لم يندبه للرحيل إلى بلاد صنهاجة إلا لثقته فيه لأن يبنى قوة حربية وجهازا سياسيا يتفق وأهداف فقهاء المذهب
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي ) — صفحة 291
مساهمون: حسن ابراهيم حسن
ص٢٩١