تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي ) — صفحة 286

مساهمون:

ص٢٨٦
التزهد والتعبد ، وضربوا المثل بأنفسهم وبالإمام مالك . وقد فضل كثير منهم أن يعترل حياة المدن التي سادتها الاضطرابات السياسية والفوضى وفساد العقيدة ويرحلون إلى رباطات ينقطعون فيها إلى العبادة وتلقين العلوم الدينية . ولعل هذه الرباطات كانت في بداية أمرها على هذه الصفة بمثابة رد فعل سلبى ضد المذاهب الجديدة التي تختلف مع المذهب السنى كالمذهب الشيعي والمذهب الخارجي البرغواطى . وإذا كانت الربط قد ظلت كذلك في إفريقية والمغرب الأوسط حينا من الدهر ، فإنها في المغرب الأقصى قد تحولت من ربط التزهد وتدريس العلم إلى مراكز حربية لكفاح المذاهب الأخرى . وقد امتاز رباط السنغال بأنه لعب دورا هاما في ثلاث من النواحي ، إذ كان المؤمنون يتلقون فيه العلم ، ويتعبدون فيه ويتطلعون إلى جهاد المشركين والقضاء على عناصر الفتنة في شمالي المغرب . وبذلك كان رباط السنغال مدرسة ومعبدا ونواة لدولة لعبت فيما بعد دورا بعيد الأثر في تاريخ المغرب والأندلس معا . وفي رباط السنغال تشكل الجهاز السياسي الأول الذي جمع عددا من الشيوخ والفقهاء ، على رأسهم يحيى بن إبراهيم الجدالى وعبد اللّه بن ياسين . وإذا كان عبد اللّه بن ياسين رجل فقه من حيث تكوينه الديني ، فقد كان من الناحية العملية القوة الدافعة للحركة المرابطية من الناحية السياسية أيضا ، لأنه هو الذي وحد بين قبائلهم ووضع لهم الخطط الحربية في الوقت الذي كان يحيى بن إبراهيم الموجه السياسي من الناحية النظرية فحسب . ولم يلبث عبد اللّه بن ياسين أن أخضع جميع الصحراء ، وكون جيشا كبيرا وجمع أموالا ضخمة من الغنائم وتودّد إلى قبيلة مصمودة . وبعث بأموال عظيمة من الزكاة والأعشار والأخماس إلى طلبة المصامدة وقضاتها . ولم يكن الأمير أبو بكر بن عمر اللمتونى أقل حماسا في نشر الإسلام من سلفيه عبد اللّه ابن يتفاوت ويحيى بن إبراهيم . فلم يكد يلي منصنه الجديد في رئاسة المرابطين حتى أمره عبد اللّه ابن ياسين بالجهاد في سبيل اللّه . « وكان يحيى شديد الانقياد لعبد اللّه بن ياسين ، كثير الطاعة له فيما يأمره به وينهاه عنه : فمن حسن طاعته له أنه قال له يوما : وجب عليك الأدب قال له : فيم يا سيدي ؟ قال له : لا أعرفك به حتى آخذه منك . فكشف له ( يحيى بن عمر ) عن بشرته . فضربه عشرين سوطا ثم قال : إنما ضربتك لأنك باشرت القتال وأصليت