ستفتحون إن شاء اللّه ما وراءكم » وأمرهم بالخروج من الصحراء إلى سجلماسة ودرعة ، وكان أهلها تحت طاعة أمراء مغراوة ( بكسر الميم وسكون الغين ) الزناتية . وكان بين لمتونة بقيادة عبد اللّه بن ياسين وبين مغراوة حروب كثيرة « 1 » .
تدرع عبد اللّه بن ياسين بالصبر في نشر دعوته . ولم يكد يستقر به المقام في بلاد لمتونة وجدالة حتى أخذ يعلمهم الدين ويبين لهم شرائعه . ولما رأى أن البربر في ذلك الوقت كانوا يهملون شعائرهم الدينية . أخذ يحثهم على إصلاح سلوكهم ، فأعرضوا عنه ، ففكر في الرحيل عن ديارهم « 2 » ولكن يحيى بن إبراهيم الجدالى تشبث ببقائه وقال له : « إني لا أتركك تنصرف وإنما أتيت بك لأنتفع بعلمك في خاصة نفسي وديني ، وما على فيمن صل من قومي . ثم أشار على عبد اللّه بن ياسين بأن يفرا بدينهما ويعتصما بجزيرة نهر السنغال « 3 » بنوا بها رباطا اتخذوه مركزا لعبادتهم ، وأخذوا يعلمون الناس التفقه في دينهم والمحافظة على شعائرهم والإقلاع عن عاداتهم المخالفة للدين .
وسرعان ما تجمعت حول عبد اللّه بن ياسين طائفة من تلاميذه ، وخاصة من جدالة ومسوفة ولمتونة أخذت في الزيادة حتى بلغت نحو ألف شخص قاموا على نشر مبادئ الإسلام . ومن كلمات عبد اللّه بن ياسين المأثورة قوله لتلاميذه :
« اخرجوا على بركة اللّه ، وأنذروا قومكم ، وخوفوهم عقاب اللّه ، وأبلغوهم حجته .
فإن تابوا ورجعوا إلى الحق وأقلعوا عما هم عليه . فخلوا سبيلهم ، وإن أبوا ذلك وتمادوا في غيهم ولجوا في طغيانهم ، استعنا باللّه تعالى عليهم وجاهدناهم حتى يحكم اللّه بيننا » « 4 » . وتعتبر هذه العبارة منهجا أساسيا وضعه عبد اللّه بن ياسين لدعاة المرابطين من بعد .
هامش
( 1 ) الحلل الموشية ص 11 .
( 2 ) ذكر ابن الأثير ( الكامل ج 9 ص 231 ) أن اللمتونيين رحبوا بيحيى بن إبراهيم وبعبد اللّه ابن ياسين الذي أخذ يعلمهم عقائد الإسلام وقرائضه فقالوا : « ما ذكرت من الصلاة والزكاة فصحيح وهو قريب ، وأما قولك من قتل يقتل ومن سرق يقطع ومن زنى يجلد أو يرجم بأمر لا نلتزمه ، إذهب إلى غيرنا » .
( 3 ) ويذكر ابن خلدون ( العبر ج 6 ص 183 ) عند كلامه على هذه الجزيرة : « وأخذه أبو بكر ، فنبذوا عن الناس في ربوة يحيط بحر النيل من جهاتها ضحضاحا في المصيف وغمرا في الشتاء » .
ولعل ابن خلدون قد وقع في هذا الخطأ الذي وقع فيه الشريف الإدريسى ( كتاب المغرب وأرض السودان ومصر والأندلس ص 8 إذ كان يطلق اسم النيل على نهر النيجر .
( 4 ) ابن أبي زرع : روض القرطاس ص 14 - 16 . أرنولد : الدعوة إلى الإسلام ترجمة المؤلف ص 267 - 268 .