من التعلم ؟ قال يحيى : « يا سيدي ! إن أهل بلادي قوم عمهم الجهل ، وليس فيهم من يقرأ القرآن . وهم مع ذلك يحبون الخير ويرغبون فيه ويسارعون إليه ، لو وجدوا من يقرئهم القرآن ويدرس لهم العلم ويفقههم في دينهم ويدعوهم إلى العمل بالكتاب والسنة ويعلمهم شرائع الإسلام ويبين لهم سنن النبي صلى اللّه عليه وسلم . فلو ابتغيت الثواب من اللّه تعالى بتعليمهم الخير ، لبعثت معي إلى بلادنا بعض طلبتك ، يقرئهم القرآن ويفقههم في الدين . فيكون لك في ذلك الأجر العظيم والثواب الجسيم إذ تكون سببا لهدايتهم » « 1 » .
وقد تأثر الفقيه أبو عمران الفاسي بكلام يحيى بن إبراهيم وهم بتلبية طلبه ، لأنه رأى في ذلك تقربا إلى اللّه بنشر دينه وإشاعة الخير بين أهل هذه البلاد الذين تفشت فيهم الجهالة . ولما عرض الفقيه أبو عمران هذا الأمر على تلاميذه النابهين لم يوافقه أحد منهم لبعد الشقة وإشفاقهم من دخول الصحراء ، فدله الفقيه على رجل من فقهاء المغرب يدعى « وأجاج بن زللو » اللمطى ، وكان يقيم بمدينة نفيس « 2 » . ( بفتح النون وكسر الفاء ) وهو فقيه من أهل السوس الأقصى ، أخذ العلم عليه وانقطع للعبادة والعلم ، وأسس مدرسة للمالكية في بلده وكثر عدد تلاميذه . وقد بعث أبو عمران الفاسي مع يحيى بن إبراهيم برسالة إلى وأجاج . فرحب به وأكرمه ودلّه على أحد تلاميذه وهو الشيخ عبد اللّه بن ياسين الجزولى . فقبل الذهاب مع يحيى بن إبراهيم المتونى إلى الصحراء حيث مواطن جدالة ولمتونة .
عرف عبد اللّه بن ياسين الجزولى فهدى المرابطين بالتبحر في العلم . والتفقه في الدين .
وكان فوق ذلك زعيما شجاعا وقائدا مقداما ومجاهدا مخلصا « 3 » . وقد أهلته هذه الصفات الممتازة لإرساء أساس الدولة المرابطية التي خدمت الإسلام ونشرت أحكامه الصحيحة في الجنوب المغربي وفي السودان ثم ولت وجهها شطر الشمال ، فجددت عزة الإسلام في الأندلس وأعادت شوكته ولا سيما في عهد يوسف بن تاشفين .
ولما رأى عبد اللّه بن ياسين ما كانت عليه لمتونة من القوة والرغبة في الدين قال لهم :
« إنكم إن صبرتم ونفذتم دين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقد فتحتم ما كان أمامكم
هامش
( 1 ) ابن أبي زرع : روض القرطاس ج 2 ص 9 .
( 2 ) الحلل الموشية ص 9 - 10 .
( 3 ) الكامل ج 9 ص 231 .