وقد اختلف بولدوين وتانكرد كل يريد أن تكون الأولوية للوائه ؛ فانسلخ بولدوين إلى الرها تلبية لدعوة أميرها ، فاستقل بها وأسس فيها إمارة لاتينية .
أما سائر الصليبيين فقد زحفوا على أنطاكية وحاصروها ( أكتوبر 1097 ) تسعة أشهر قاسوا فيها أشد آلام المرض والجوع حتى دب اليأس في نفوسهم ، ثم دخلوها عنوة ( 1098 م ) ومثلوا بأهلها أشنع تمثيل وقتلوا منهم عشرة آلاف وأمروا عليها بوهيمند .
وباستيلاء الصليبيين على أنطاكية خلا لهم الطريق ، فاستأنفوا الزحف على أورشليم ، واقتصر الإمبراطور البيزنطى على إمدادهم بالمرشدين ، فدخلوها عنوة في يونيه سنة 1099 م . وكان عدد جيش الصليبيين إذا ذاك أربعين ألفا ، مما يدل على معظم الخسارة التي لحقت بهم منذ رحلوا إلى أرض المشرق . وقد حدثت على أثر دخول الصليبيين مذبحة شنيعة قتل فيها أكثر من سبعين ألفا ، حتى خاضت خيولهم في بحر من الدماء كما ذكر جودفرى في رسالته إلى البابا يهنئه فيها بالظفر .
وعلى أثر هذا الفتح انتخب جودفرى ملكا على بيت المقدس لما امتاز به من البسالة والإقدام ، فاكتفى بلقب حامى قبر المسيح .
ثم أخذ الصليبيون يقتحمون المدن الباقية في فلسطين ، وسهل عليهم هذه المهمة تلك المساعدات التي كانت تقدمها أساطيل المدن الإيطالية ، فاستولوا على عكاء ثم على صور ، وأنشئوا إمارة طرابلس وولوا عليها ريموند . وعلى أثر استيلاء الصليبين على بيت المقدس عاد عامة جندهم إلى أوطانهم ، وبذلك انتهت الحرب الصليبية الأولى .
كان استيلاء الصليبيين على بيت المقدس أهم نتائج هذه الحرب . فلم يحفل الغربيون بالخسائر الفادحة التي حلت برجالهم . ولما عاد المحاربون إلى أوطانهم قوبلوا بكل مظاهر الحفاوة والترحيب ، وقد أثارت الحكايات التي نشرها المحاربون بين مواطنيهم كثيرا من ضروب الحمية والحماس التي مهدت لهم السبيل لتنظيم حملة صليبية أخرى إلى المشرق . كما تكونت أربع إمارات لاتينية في الشام هي .
( 1 ) بيت المقدس ويحكمه جودفرى ثم أخوه بولدوين من بعده .
( 2 ) أنطاكية وأميرها بوهيمند ثم ابن أخيه تانكرد من بعده .
( 3 ) طرابلس وأميرها ريمند .
( 4 ) الرها وأميرها بولدوين .
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي ) — صفحة 247
مساهمون: حسن ابراهيم حسن
ص٢٤٧