( ب ) بين يعقوب المنصور وسلاح الدين :
استولى الصليبيون على سواحل الشام وملكوا بيت المقدس في أواخر القرن الخامس الهجري ، ولم تستطع الدولة الفاطمية أن تخرج الصليبيين كما لم يستطع ذلك العباسيون لأن هاتين الدولتين قد تطرق إليهما الضعف والوهن . فلما آل الأمر إلى صلاح الدين الأيوبي في مصر والشام ، عزم على الجهاد ، وأخذ يستولى على مواقع الصليبيين حتى استولى على بيت المقدس سنة 583 ه ، فتأهب الصليبيون لحرب صلاح الدين وتتابعت أساطيلهم على الإسكندرية . لذلك فكر صلاح الدين في طلب النجدة من يعقوب المنصور الموحدى وأرسل إليه هدية تشتمل على مصحفين ومائة درهم من دهن البلسان ، وعشرين رطلا من العود ، وستمائة مثقال من المسك والعنبر ، وخمسين قوسا عربية بأوتارها ، وعشرين من النصول الهندية وعدة سروج موشاة « 1 » .
وقد بعث صلاح الدين مع هذه الهدية كتابا رقيقا « 2 » جاء فيه : « الحمد للّه الذي استعمل على الملة الحنيفية من استعمر الأرض ، وأغنى من أهلها من سأله القرض ، وأجرى على يده النافلة والفرض ، وزين سماء الملة بدرارى الذراري التي بعضها من بعض » وكان عنوان الكتاب : من صلاح الدين إلى أمير المسلمين ، وفي أوله الفقير إلى اللّه تعالى يوسف بن أيوب . ويذكر السلاوى أن يعقوب المنصور لم يعجبه أن يخاطبه صلاح الدين بلقب أمير المسلمين لا أمير المؤمنين ، وأن يعقوب أسرها في نفسه ، ولكنه أكرم وفادة رسول صلاح الدين دون أن يحقق له غرضا . وقد قيل إن يعقوب المنصور جهز مع ذلك مائة وثمانين سفينة ، وحال دون استيلاء الصليبيين على سواحل الشام ، وقد دلل ابن خلدون « 3 » بذلك على تفوق ملوك المغرب على ملوك المشرق في إنشاء الأساطيل الجهادية .
ولا يبعد أن يكون استنجاد صلاح الدين بيعقوب المنصور الموحدى راجعا إلى حاجة
هامش
( 1 ) السلاوى : الاستقصا ج 2 ص 163 .
( 2 ) قال السلاوى ( الاستقصا ج 2 ص 163 ) إن هذا الكتاب من إنشاء عبد الرحيم بن علي البيسانى المعروف بالقاضي الفاضل .
( 3 ) العبر ج 6 ص 490 .