ولكن الفونسو لم يكد يسترد قوته ويعد العدة لحرب الموحدين حتى نقض الهدنة وكتب إلى يعقوب المنصور كتابا يطلب إليه فيه أن ينزل له عن بعض الحصون والمدن ومما جاء في هذا الكتاب :
« اللهم باسمك فاطر السماوات والأرض وصلى اللّه على السيد المسيح روح اللّه وكلمته الرسول الفصيح . أما بعد ، فإنه لا يخفى على ذي ذهن ثاقب ولا ذي عقل لازب ، أنك أمير الملة الحنفية ، كما أنى أمير الملة النصرانية . وقد عملت الآن ما عليه رؤساء الأندلس من التخاذل والتواكل وإهمال أمر الرعية وإخلادهم إلى الراحة .
وأنا أسومهم بحكم القهر وإخلاء الديار وأسبى الذراري وأمثل بالرجال . ولا عذر لك في التخلف عن نصرتهم . إذا أمكنتك يد القدرة » « 1 » .
ولما تسلم يعقوب المنصور هذا الكتاب مزقه وكتب على ظهر قطعة منه قوله تعالى :
( ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ )
« 2 » .
ثم ذيل هذه الآية القرآنية بهذه الكلمات : « ما ترى لا ما تسمع » « 3 » .
وقد دعا يعقوب المنصور الجند من الأمصار وضرب السرادقات بظاهر مدينة مراكش . ولما تجمع الجند جاز بهم إلى بلاد الأندلس . وكان جيشه يضم قبائل العرب وزنانة ومصمودة وغمارة والمتطوعين من القبائل المغربية والأغراز والرماة والموحدين والعبيد . وقد سار الخليفة الموحدى في إثرهم في موكب عظيم يضم أشياخ الموحدين والفقهاء والزهاد . ثم سار هذا الجيش لملاقاة العدو حتى أصبح على بعد مرحلتين من حصن الأرك ، وذلك في 3 شعبان سنة 591 ه . وعقد يعقوب المنصور اللواء لأبى يحيى بن أبي حفص الهنتاتى وبقي هو على رأس الجيش الموحدى .
ولقى جيش أبى يحيى الهتاتى ظنا منه أنه جيش الخليفة يعقوب المنصور . وحمى القتال بين الفريقين ، واستشهد أبو يحيى ، وأيقن العدو أن يعقوب المنصور قد قتل ، وأنه قد أحرز النصر على جيش الموحدين ، ثم أقبل يعقوب المنصور بجيشه وطوق جيش العدو الذي أصبح بين جيش يعقوب المنصور وجيوش زناتة والمصامدة وغمارة والعرب التي كان يقودها أبو يحيى الهنتاتى : فولى النصارى الأدبار وأعمل فيهم
هامش
( 1 ) السلاوى : الاستقصا ج 2 ص 166 - 167 .
( 2 ) سورة النمل 27 : 34 - 37 .
( 3 ) السلاوى ج 2 ص 167 .