على أن عبد المستنصر لم يعمر طويلا . فقد وافته منيته ، واحتدم النزاع بين الداعي سبأ بن أحمد وبين السيدة الحرة ، لأنه كان يريد أن يؤول إليه حكم بلاد اليمن وأن يتزوج منها . ولكن السيدة الحرة أبت عليه ذلك . فسار سبأ إليها على رأس جيش عظيم ، ونشب القتال بين الفريقين ، وطلب سبأ من الخليفة الفاطمي أن يتدخل في أمر هذا الزواج ، فكتب الخليفة إلى السيدة الحرة يأمرها بإجابة سبأ إلى طلبه حسما للنزاع ودرءا للفتن ، فتزوجته نزولا على أمر الإمام الفاطمي ، مما يدلنا على مبلغ نفوذ الفاطميين في نفوس اليمنيين .
وقد أنفذ الخليفة المستنصر رسولا إلى السيدة أروى فقال لها : « وقد زوجك مولانا أمير المؤمنين من الداعي الأوحد المنصور المظفر عمدة الخلافة أمير الأمراء أبى حمير سبأ بن أحمد بن المظفر على ما حضر من المال ، وهو مائة ألف دينار عينا وخمسون ألفا أصنافا من تحف وألطاف » . ولم يسع السيدة الحرة إلا أن تلبى نداء الإمام الفاطمي ، ورضيت أن تتزوج بمن تكرهه . وإن دل هذا على شئ ، فإنما يدل على ما كان للخلفاء الفاطميين من نفوذ روحي في بلاد اليمن ، لأن السيدة أروى اعتبرت الخروج على أمر الخليفة خروجا على الدين « 1 » .
وقد ظلت السيدة الحرة على ولائها للخليفة المستنصر الفاطمي ، تراسله وتراسل أمه وأخته ، حتى وثق بها هذا الخليفة كل الثقة ، وعهد إليها أن تنظم الدعوة الإسماعيلية في الهند وفي عمان ، وأن تعين من قبلها دعاة ينشرون الدعوة في هذه البلاد « 2 » ، كما ظلت العلاقة بين الصليحيين قوية وثيقة بعد وفاة المستنصر في سنة 487 ه . فبادرت السيدة الحرة إلى الاعتراف بالخليفة المستعلى برغم أنه لم يغز بإجماع أنصار الفاطميين في مصر .
فقد عمد الأفضل بن بدر الجمالى إلى إقصاء نزار بن المستنصر عن العرش ، وبايع أخاه أبا القاسم أحمد ، ولقبه المستعلى بعد أن هدد الأمراء وحملهم على تأييده . وكتب الخليفة الجديد إلى السيدة الحرة رسالة يرجع تاريخها إلى 18 صفر سنة 489 ه ( 1095 - 1096 ) يصف فيها ثورة أخيه نزار وتغلب وزيره الأفضل عليه ، وما كان من اعتقال نزار والقضاء على ثورته .
هامش
( 1 ) عمارة اليمنى : تاريخ اليمن ص 33 .
( 2 ), III . lov , ) 9391 ( ) . SO . S . B ( risnatsuM - la fo sretteL , inadmaH . 123 . p , II trap