فريضة الحج كما تقدم ، وأسرت أمه الملكة السيدة الحرة الصليحية أسماء بنت شهاب وغيرها من حرائر بنى الصليحى وقضى على خيرة رجال دولته ، وتفاقم خطر بنى نجاح كما سيأتي الكلام عليهم بعد قليل ، وكاد يقضى على الدولة الصليحية لأن أعداءها تربصوا بها الدوائر ، وأخذ بعض الولاة ينقضون عهدهم حتى كاد نفوذ الصليحيين يتلاشى من كافة أرجاء بلاد اليمن ، ولم يبق في أيديهم إلا التعكر ، وكان العبيد قد حاصروه ، وتآمرت القبائل من كهلان وعنس ، وزبيد ويحصب على الصليحيين ، وامتد التمرد إلى صنعاء نفسها حيث كان المكرم يقيم فيها مع جماعة من الموالين من أتباعه .
ولعل السبب فيما أحاط بالمكرم من صعاب وما انتشر في دولته من روح التمرد في أوائل عهده ، يرجع إلى أن أهل اليمن في ذلك العهد لم يألفوا الخضوع لسلطان حكومة مثل تلك الحكومة المركزية التي أقامها على الصليحى ، الذي لم يستطع برغم ما بذله من جهد أن يحمل اليمنيين على الخضوع لسلطة حكومة مركزية . كما أن خضوع اليمن كلها لسلطان على الصليحى لم يكن عن رغبة من أهلها ، بل كان نتيجة للحرب التي شنها على ولاياتهم المختلفة ، وما استعان به من دهاء وسياسة في سبيل توحيد دولته . لذلك لا عجب إذا وجد الحكام في موت علي بن محمد الصليحى فرصة سانحة للعودة إلى ما كانوا عليه من دويلات وإمارات وولايات مستقلة .
على أن المكرم قد صمم على قتال الخارجين عليه . واستطاع بفضل ما أوتيه من الشجاعة وصدق العزيمة أن يذلل هذه الصعاب وأن يتخذ من ذلك اليأس الذي ولدته هذه الحالة التي يكتنفها الاضطراب مصدرا للشجاعة والإقدام ، واستطاع هو وأعوانه أن يرفعوا الحصار عن صنعاء ، وتتبعوا الأعداء وانتصروا عليهم . وكان أهم المواقع التي انتصر فيها جند المكرم موقعة الملوى ، وموقعة ذي أشرق ، وموقعة زبيد .
ولعل تخليص الملكة السيدة الحرة أسماء أم الملك المكرم يعد من أهم الأحداث التي وقعت في عهد هذا الملك الصليحى ، وقد ذكر عمارة اليمنى أن السيدة الحرة دبرت مؤامرة لقتل سعيد الأحول بن نجاح . وكان من أثر ذلك أن قتل أبوه وأسرت أمه .
فلما آل الملك إلى المكرم عمل على تخليص أمه من الأسر ، وقد روى المؤرخون أن المكرم وقف تحت طاقة أمه الملكة أسماء بنت شهاب فقال لها ، وكانت لا تعرفه :
أدام اللّه عزك يا مولاتنا ، فقالت : مرحبا بأوجه العرب . ثم سألته من هو ، فقال لها : أنا أحمد بن علي بن محمد ، فقالت : إن أحمد بن علي في العرب كثير ، فاحسر لي عن وجهك حتى أعرفه ، فرفع اللثام عن وجهه ، فقالت : مرحبا بمولانا المكرم ، من كان
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي ) — صفحة 204
مساهمون: حسن ابراهيم حسن
ص٢٠٤