وقد استطاع على الصليحى أن يجمع اليمن تحت لواء واحد ، وهذا - كما يقول عمارة اليمنى « 1 » - أمر لم يعهد في جاهلية ولا إسلام ، « ولم يقع لأحد فيمن ملك اليمن ما وقع لعلي بن محمد الصليحى ، فإنه استولى على اليمن سهله وجبله وشماله وجنوبه وشرقه في مدة يسيرة بعد أن قهر ملوكه » ، وهو لذلك لا يقل عن بعض القواد الفاتحين الذين ظهر اسمهم على صفات التاريخ ، وذلك بفضل ما أحرزه من انتصارات وما قام به من أعمال مجيدة في خلال هذه المدة القصيرة من حكمه .
وكان على الصليحى إداريا ممتازا ، أمر ولاة الأقاليم بأن يسيروا وفق السياسة التي رسمها لتكون أساسا ومنهجا ومرجعا له في كل ما يشكل عليه . وكانوا يرجعون إليه في كل شؤون الدولة . كما كان يدعوهم إلى « مسار » حاضرة ملكه ويجتمع بهم من حين إلى حين للنظر في مهام أمور الدولة ، ويذكرهم بواجباتهم وبالمسئوليات الخطيرة الملقاة على عاتقهم . وكانت أمور الدولة والدعوة مركزة في شخصه ، إلا أنه كان مقيدا بالسياسة التي رسمها لنفسه من إقامة الحق وبسط العدل . ومن هذا يتضح كيف حكم على الصليحى بلاد اليمن حكما مستنيرا « 2 » .
وقد أدخل على الصليحى كثيرا من وجوه الإصلاح في بلاد الحجاز ، فخصص أموالا وفيرة للبيت العتيق وتشجيع موسم الحج ، وأحسن معاملة الناس ، ونشر العدل بينهم . واستمالهم إليه . وردع القبائل التي كانت تعترض طريق الحج ، وتحمل ديات القتلى من ماله الخاص ، فكسب بحسن سياسته رضا الخليفة وثقة كثير من أهالي البلاد الإسلامية بتسهيل سبل الحج وإشاعة الطمأنينة ونشر الأمن .
كما كسا على الصليحى الكعبة بالديباج الأبيض ، وجلب الأقوات إلى الحجاز ، مما ألهج نفوس أهليه بالثناء عليه والدعاء له . وقد أقام سياسته على أساس العدل والحق ، كما تقدم ، وأثر عنه أنه قال : « أنصف المظلوم وأقمع الظالم » . وهذا يذكرنا بقول أبى بكر الصديق في خطبته التي ألقاها في اليوم الذي بايعه فيه المسلمون : « والضعيف فيكم قوى عندي حتى آخذ الحق له ، والقوى فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه » « 3 » .
هامش
( 1 ) تاريخ اليمن ( طبعة كيyaKس 18 ) .
( 2 ) عمارة اليمنى ص 308 .
( 3 ) المصدر نفسه .