وترجع حملة شيركوه الثالثة على مصر إلى زحف الفرنجة عليها من جديد . وكانت هذه الحملة بقيادة شيركوه يصحبه أخواه ، وابن أخيه صلاح الدين وغيرهم من ذوى قرباه وجيوشه « 1 » .
وهنا تجلت سياسة شاور المنقلبة ثانيا ، فقد أرسل إلى شيركوه كتابا يطلب فيه المساعدة . وصادف هذا الرجاء قبولا من نفس شيركوه ، لأن اتحاده مع شاور معناه هزيمة الفرنجة من جهة وتخلصه من شاور من جهة أخرى .
وقد سار الفرنجة نحو مصر ، ووصلوا إلى بلبيس ( صفر 564 نوفمبر 1168 ) .
ولم يبقوا - كما يقول المؤرخ اللاتيني وليم الصوري
eryT fo mailiW
على أحد من الناس على اختلافهم شبانا وشيبا ، ذكورا وإناثا « 2 » . وقد أسخط عمورى بعمله جميع المصريين فانحازوا إلى شيركوه ، وأمر شاور بإحراق مدينة الفسطاط ليحول دون استيلاء الفرنجة عليها . وقد استمرت النيران بها أربعة وخمسين يوما ، ولا نزال آثار هذا الحريق بادية بأطلال الفسطاط حتى اليوم في التلال الرملية التي تغطي القمامة المدفونة في الفضاء الممتد عدة أميال جنوبي القاهرة . وأسرع الناس بعد هذا لائذين بالقاهرة التي ساد أهلها الحماس استعدادا لصد هجوم الصليبيين « 3 » .
غير أن الفرنجة لم يهاجموا القاهرة ، فقد دخل شاور معهم في مفاوضات تعهد فيها بدفع مقدار من المال لعمورى . لكن سياسة شيركوه لم يكن يسودها الإخلاص ، فقد ، كتب إلى نور الدين في دمشق يطلب منه المعونة ، على حين كتب الخليفة العاضد نفسه بذلك إلى نور الدين ، ووضع في رسالته خصلا من شعور النساء إمعانا في الضراعة ، حتى لا يرد توسله بعد ذلك « 4 » . وقد بلغ من تأثر نور الدين أنه بعث أسد الدين شيركوه إلى مصر في جيش بلغ سبعين ألفا « 5 » .
هامش
( 1 ) ابن شداد ص 45 و 46 .
( 2 ) ذكر أبو شامة ( ص 137 ) أن عمورى قتل عددا كبيرا من الأهلين وأتلف معظم المدينة وأحرق أكثر مبانيها وجعل الناس فيها فريقين ، قتل أحدهما بحد السيف ، واستبقى الآخرين شكرا للّه على ما أتاه من نصر .
( 3 ) ابن الأثير ج 11 ص 136 . أبو شامة ص 115 .
( 4 ) المصدر نفسه .
( 5 ) حسن إبراهيم حسن : تاريخ الدولة الفاطمية ( الطبعة الثالثة ، القاهرة : 196 ) ص 193 - 194