أن يجمع الأموال ؛ فوضع يده على أموال الأوقاف ، فأخذ الناس ينفضون من حوله ، وامتنع الخليفة والجيش عن مؤازرته ، وسار في طرقات القاهرة يدعو الناس للثورة ، فلم يلق منهم إلا صياح الاستهزاء حتى جفل حصانه من صياح الناس ، فألقاه على الأرض وقطع رأسه وطيف به في الطرقات « 1 » .
وقد أدرك شاور غرضه ؛ فتقلد الوزارة وتوطدت أقدامه . ولوثوقه بقوته ، خان عهده مع أسد الدين شيركوه ، وأبى أن يدفع الجزية المتفق عليها بينهما ، ومد له الفرنجة يد المساعدة ، فحاصروا شيركوه في بلبيس وحملوه على العودة بجنده إلى الشام ( ذو الحجة سنة 559 / 1164 ) . وانتهز نور الدين مسير عمورى إلى مصر فهزم قواته في فلسطين ، فاضطر إلى العودة لحماية بلاده « 2 » .
ولكن شير كوه لم يخفق تماما في حملته على مصر ، إذ عرف ما كان يسود هذه البلاد من الفوضى ، فأطمعه ذلك في امتلاكها . لذلك بقي في الشام مدة يعد العدة في تجهيز حملة ثانية أملا في تأسيس إمبراطورية لنفسه ، واستمر حتى سنة 562 ه ( 1166 م ) يدبر الخطط بالاشتراك مع نور الدين « 3 » .
لقد ظهرت أهواء شاور المضطربة وسياسته الخرقاء واضحة جلية في وزاته الثانية ، ولم يلبث أن ظهر قلقه واضطرابه بعد أن استرد قوته واستقر في مركزه . وفي اليوم التالي من وصوله إلى القاهرة ، سار شير كوه إلى بلبيس وهزم الجيوش المصرية .
على أن نجم شاور أخذ في الأفول ، فجرح أخوه جرحا بليغا وحاصر الفرنجة بلبيس ، وأرغموا نور الدين على العودة من فلسطين إلى الشام ، ولم يلبثوا أن عادوا هم أيضا إلى فلسطين .
ولم تكن حالة مصر الداخلية بأقل اضطرابا من حالتها الخارجية ، فلم يجد شاور بدا من قمع ثورة يحيى بن الخياط أحد أنصار ابن رزيك « 4 » ( عمارة ص 67 ) . الذي طلب الوزارة لنفسه ، وتلا ذلك الاضطرابات التي أثارها بنو لواتة ، وأدهى من هذا كله ما بلغه من إعداد نور الدين العدة لغزو مصر مرة أخرى « 5 » .
هامش
( 1 ) النكت العصرية ص 73 .
( 2 ) ابن شداد ص 3 .
( 3 ) المصدر نفسه .
( 4 ) قتله شجاع بن شاور . حياة عمارة ص 348
( 5 ) عماوة ص 67 و 75 - 78 .