وقد التجأ ابن مصال بعد هزيمته إلى كورة الحوف حيث تمكن بما جمعه من أموال الخليفة من حشد قوة كبيرة ، ثم استقر في الصعيد فاتبعه العباس ، ربيب ابن السلار . وفي مدينة دلاص جنوبي الواسطي التقى الجندان ، فدارت الدائرة على ابن مصال ، وقتل وحمل رأسه إلى القاهرة . وبهذا استراح ابن السلار من منافسه ، وقلده الخليفة الوزارة ، لكنه أخذ يكيد له وعمل على طرده من الوزارة « 1 » .
وقد طلب ابن السلار العون من نور الدين في غزو مدينة طبرية ليمنع غزو الصليبيين لمصر على أن يسير هو بنفسه إلى غزة وعسقلان « 2 » . وقد أدرك نور الدين من هذا الرجاء أن مصر لم تعد قادرة على أن تقف وحدها في وجه الصليبيين مما أتاح له الفرصة في الإمارة عليها . ومن هنا طمع نور الدين في غزو مصر ، كما أصبح الصليبيون على علم تام بحال هذه البلاد .
وقد أبى نور الدين امتشاق الحسام لمحاربة الصليبيين . ورأى أنه يغرر بنفسه إذا دخل في حرب معهم أو مع أهل دمشق ، إذ كان هؤلاء وأولئك أعداءه على السواء « 3 » .
لهذا كله وقف المتنافسان ( نور الدين والصليبيون ) بعضهما لبعض بالمرصاد ، وأخذ كل فريق يراقب حركات الفريق الآخر .
أما عن أحوال مصر الداخلية إذ ذاك ، فقد كان ابن السلار الذي تلقب بالملك العادل سيف الدين ( ذلك اللقب الذي يدل على انضوائه تحت لواء المذهب الفاطمي ) سنيا مغاليا . وربما كان ذلك سببا في تدبير الخليفة المكائد له حتى يخلص من شره .
غير أن أنصار ابن السلار الكثيرين قد حالوا دون استقرار سلطة الفاطميين الدينية .
أضف إلى ذلك النزاع الذي قام بين ابن السلار السنى وبين ابن مصال المغربي الأصل ، ذلك النزاع الذي كان في الحقيقة نزاعا بين السنيين والشيعيين . وكان ابن السلار يسمع في مساعدة نور الدين ، لنشر المذهب السنى في مصر وإحلاله محل المذهب الشيعي .
وكان ابن السلار - كما يقول ابن خلكان - من أصل كردى ، ومن قبيلة
هامش
( 1 ) أسامة بن منقذ ص 5 و 6 .
( 2 ) المصدر نفسه ص 7 .
( 3 ) المصدر نفسه ص 7 - 12 .