الخميس رابع المحرم من سنة 656 ه ثارت غيرة عظيمة شرقي بغداد على درب يعقوبا بحيث عمت البلد . فانزعج الناس من ذلك وصعدوا إلى أعالي السطوح والمنابر يتشوفون ، فانكشفت الغبرة عن عساكر السلطان وخيوله ولفيفه وكراعه ، وقد طبق وجه الأرض وأحاط ببغداد من جميع جهاتها . ثم شرعوا في استعمال أسباب الحصار ، وشرع العسكر الخليفى في المدافعة والمقاومة إلى اليوم التاسع عشر من شهر المحرم سنة 656 ه ، فلم يشعر الناس إلا ورايات المغول ظاهرة على سور بغداد من برج يسمى « برج العجمي » من ناحية باب من أبواب بغداد يقال له « باب كلواذى » ( بفتح الكاف والذال وسكون اللام ) . وكان هذا البرج أقصر أبراج السور ، وتقحم ( اقتحم على الأصح ) العسكر السلطاني هجوما ودخولا : فجرى من القتل الذريع والنهب العظيم والتمثيل البليغ ما يعظم سماعه جملة فما الظن بتفاصيله ؟ » .
وكان ما كان مما لست أذكره * فظن ظنا ولا تسأل عن الخبر
هذا ما ذكره « صاحب الفخري » بعد أربع وأربعين سنة من وقوع هذه الكارثة ( أي قبل أن ينتهى من وضع كتابه سنة 701 / 1201 ) ، ولم يكن الفخري - كما يقول براون « 1 » - يكتب ما يشاء ويسجل ما يريد ، ولكنه كان يكتب ما يكتب وهو يعلم أنه يعيش تحت حكم مغولى أيام غازان حفيد هولاكو .
ولما رأى الخليفة المستعصم أنه لا مفر من دخول المغول مدينة بغداد عول على التسليم ، فأرسل رسوله شرف الدين بن الجوزي ثانية إلى هولاكو يحمل إليه كثيرا من الهدايا الثمينة معلنا رضاه بالتسليم ووقف القتال . ولم تمض على ذلك بضعة أيام حتى خدعه المغول بالوعود الكاذبة . وقد ذكر ابن كثير « 2 » أن الوزير ابن العلقمى كان قد اجتمع بهولاكو مع أهله وأصحابه وحشمه ، ثم أشار على الخليفة بالخروج إلى هولاكو والمثول بين يديه لتقع المصالحة على أن يكون نصف الخراج لهولاكو والنصف الآخر للخليفة .
وفي يوم الأحد 4 صفر سنة 656 ه ( 10 فبراير سنة 1258 م ) خرج الخليفة لملاقاة هولاكو ، وكان بصحبته أولاده الثلاثة وهم : ولده الأكبر أبو العباس أحمد ، وولده الأوسط أبو الفضائل عبد الرحمن ، وولده الأصغر أبو المناقب مبارك ، وثلاثة آلاف
هامش
( 1 ) تاريخ الأدب في إيران ، ترجمة الدكتور إبراهيم أمين ج 2 ص 587 .
( 2 ) البداية والنهاية ج 13 ص 201 .