الوزير ، كما وصفه صاحب الفخري ، « من أعيان الناس وعقلاء الرجال » . إلا أن بعض خاصة الخليفة قللوا من شأن المغول وأدخلوا في روع الخليفة أن وزيره يبالغ في تصوير هذا الخطر ليفيد من الأموال التي تخصص لتجنيد الجند وتزويدهم بالسلاح .
ويتهم الجوزجاني في كتابه طبقات ناصري هذا الوزير بأنه قلل من عدد الجند الذين أسندت إليهم مهمة حماية المدينة وزين للخليفة التسليم إرضاء لأطماعه وانتقاما للاضطهادات التي تعرض لها الشيعيون على يد ابن الخليفة الأكبر . ولذلك اتفق ابن العلقمى مع نصير الدين الطوسي الذي اتخذه هولاكو وزيرا له والذي كان يدين بعقائد المذهب الشيعي كابن العلقمى على تسليم بغداد للمغول ، بل لقد ذهب ابن كثير إلى القول بأن الوزير ابن العلقمى وبنى جلدته من الشيعيين قد أشاروا على هولاكو بألا يدخل في صلح مع الخليفة بحجة أن مثل هذا الصلح لن يدوم ، بل إنهم حسنوا له قتل الخليفة . كما ذهب هذا المؤرخ « 1 » إلى القول بأن ذلك كان راجعا إلى الغداء المستحكم بين السنيين وبين الشيعيين الذين نهبت دورهم قبل فتح بغداد على أيدي المغول ، فاشتد حنق الوزير ابن العلقمى ، كما ذكر السيوطي « 2 » ، فراسل التتار وأطمعهم بالمسير إلى العراق وفتح بغداد وإزالة الدولة العباسية وإقامة خلافة علوية على أنقاض الخلافة العباسية « 3 » .
على أن هذه الآراء لا تتفق مع هذه الحقيقة التاريخية وهي أن فتح المغول بغداد كان جزءا من مشروع سياسي يهدف إلى اتساع رقعة إمبراطورية المغول بعد أن تم لهم فتح إمبراطورية الصين الشمالية وأواسط آسيا وإيران وچورچيا والقوقاز والروسيا وبولندة وغيرها ، أضف إلى ذلك أن قتل المغول أهل بغداد قد شمل السنيين كما شمل الشيعيين الذين نهبت دورهم في الكرخ وهي محلة الشيعة ببغداد . وإذا كان المغول قد قربوا إليهم ابن العلقمى فإنهم مع ذلك قد تخلصوا منه ، إذ أن حياته لم تمتد بعد مقتل الخليفة المستعصم أكثر من ثلاثة أشهر . ومما هو جدير بالملاحظة أن الجوزجاني يغلو في سنيته أكثر مما يغلو ابن طباطبا في تشيعه . هذا إلى ما عرف به الوزير ابن العلقمى من شغفه بالكتب وتقريب العلماء والأدباء ، حتى لقد اشتملت مكتبته على عشرة آلاف مجلد من نفائس الكتب ، وأهداه كثير من الشعراء دواوينهم « 4 » . وكان كما يقول ابن طباطبا « 5 » « عفيفا عن أموال الديوان وأموال الرعية متنزها مترفعا » .
هامش
( 1 ) البداية والنهاية ج 13 ص 201 .
( 2 ) تاريخ الخلفاء ص 308 وما يليها .
( 3 ) السبكي : طبقات الشافعية ج 5 ص 110 .
( 4 ) براون : تاريخ الأدب في إيران ، ترجمة ج 2 ص 589 .
( 5 ) انظر كتاب الفخري في الآداب السلطانية ص 299 - 300 .