وقد حمل شرف الدين بن الجوزي ومن معه من الرسل مع هذه الرسالة بعض التحف والهدايا ، فلم يهتم بها هولاكو ، وأبدى امتعاضه من العبارات التي تضمنها كتاب الخليفة إليه وقال : « لقد ألقى اللّه في روع هؤلاء القوم مثل هذه الأوهام » « 1 » ، ورد على الخليفة برسالة يهدده فيها ويتوعده ، ومما جاء فيها : « إنك تركت نهج آبائك ، فاستعد الحرب وانتظر جيشا قويا ، ولو أن الشيطان وضع عراقيله أمام خططى لانتصرت عليه بعون اللّه » « 2 » .
ولما عاد رسل الخليفة وأدرك ما ينطوى عليه رد هولاكو من تهديد ووعيد ، استطلع رأى وزيره ابن العلقمى ، فأشار عليه بأن يتألفه ببذل الأموال والنفائس وقال : « ينبغي أن تدفعه ببذل المال ، لأن الخزائن والدفائن تجمع لوقاية عزة العرض وسلامة النفس ، فيجب إعداد ألف حمل من النفائس وألفا من نجائب الإبل وألفا من الجياد العربية المجهزة بالآلات والمعدات ، وينبغي إرسال التحف والهدايا في صحبة الرسل الكفاة الدهاة مع تقديم الاعتذار إلى هولاكو وجعل الخطبة والسكة باسمه » « 3 » .
وقد مال الخليفة إلى قبول هذا الرأي أول الأمر ، ولكن مجاهد الدين أيبك ، وكان يلقب الدويدار الصغير ، الذي كان يضمر العداوة والبغضاء للوزير ابن العلقمى ، استمال بعض الأمراء إليه ، وبعثوا إلى الخليفة برسالة يقولون فيها إن الوزير إنما رأى هذا الرأي مذفوعا في ذلك بمصلحته الخاصة ، وإنه يعرضهم بذلك إلى البلاء على أيدي المغول ، وتعهدوا للخليفة بأخذ الحيطة لدرء خطر هولاكو والقبض على رسله وأخذ ما معهم من الأموال وتعذيبهم بكل ألوان العذاب « 4 » .
وهكذا لم يكن لتبادل المراسلات بين هولاكو والخليفة المستعصم من أثر سوى جعل الحرب ضرورة لا بد منها . وقد رأى هولاكو الاستيلاء على البلاد التي في طريقه إلى بغداد . ولما تأكد أنه قد أصبح في استطاعته السير إلى هذه المدينة دون تعرضه للمصاعب استطلع رأى الفلكيين ، على ما جرت به عادة المغول إذا أقدموا على غزو بلد
هامش
( 1 ) ابن الأثير ج 11 ص 65 . جامع التواريخ المجلد الثاني ج 1 ص 271 .
( 2 ) كترمير ص 339 .
( 3 ) جامع التواريخ ، المجلد الثاني ج 2 ص 271 .
( 4 ) المصدر نفسه المجلد الثاني ج 2 ص 272 .