للبلاد الإسلامية في هذه الكلمات « لا يعرف الإسلام من بين ما نزل به من الخطوب والويلات خطبا أشد هولا من غزوات المغول ؛ فلقد انسابت جيوش چنكيز خان انسياب الثلوج من قنن الجبال . واكتسحت في طريقها الحواضر الإسلامية وأنت على ما كان لها من مدنية وثقافة ، ولم يتركوا وراءهم من تلك البلاد سوى خرائب وأطلال بالية ، وكانت تقوم فيها قبل ذلك القصور الفخمة المحاطة بالحدائق الغناء والمروج الخضراء ، فبعد أن تحوّل جيش المغول عن مدينة هراة خرج أربعون من أهليها من مخبئهم ، فرارا من الموت ، وكان هؤلاء التعساء هم البقية الباقية من سكانها الذين كان يربو عددهم على المائة ألف ، ووقفوا مهطعين مقنعى رؤوسهم يبكون أطلال مدينتهم ، وقد أخذ الفزع والهلع من نفوسهم كل مأخذ . وفي مدينة بخارى التي اشتهرت برجال العلم والورع اتخذ المغول إصطبلا لخيولهم ومزقوا المصاحف واتخذوا منها وطاء لدوابهم . كما سبوا من نجا من الأهلين من القتل وجعلوا مدينتهم أثرا بعد عين . وهكذا كان مصير مدينتى سمرقندى وبلخ وغيرهما من أمهات مدن آسيا الوسطى التي كانت من قبل فخر الحضارة الإسلامية وموطن الأولياء وكعبة العلوم ، كما كان ذلك أيضا مصير بغداد التي ظلت قرونا عدة حاضرة الخلافة » .
يقول « دوسون » « 1 » : إن تاريخ المغول يمتاز بطابع الفوضى ووحشيتهم لا تترك إلا صورا بغيضة . وأن حكمهم كان انتصارا للفساد والفوضى . ويختلف رأى سير هنرى هاوارت عن رأى دوسون ، فيقول : إن المغول جنس من الأجناس التي درجت تحت ظلال الفقر وشظف العيش ، يجرى في دمائهم مزيج قوى من الحديد - ينبعث في فترات منظمة ليقضى على الترف والثراء اللذين سادا في ذلك العصر ، ويحطم الفن والثقافة التي لا تترعرع إلا في ظل الرخاء وبسطة العيش والأمن ، ويحوّل هذه الجنان التي جهد الإنسان في غرسها وتعهدها إلى صحراء جرداء مقفرة ، فهم أشبه بالوباء والقحط « وأشبه بآلة تدمير وتخريب أتت على شعوب كانت غارقة في بحار الترف والنعيم . ثم ذهبت ضحية غارات المغول ، كما قال « دوسون » إن الفتوحات المغولية أدت إلى اتصال أمم
هامش
( 1 ). 4381 , madretsemA slognoM sed eriotsiH , nossoH . rD . 8 - 7 . pp , l emor