ولذلك ينصح لهم بترك استحكاماتهم وتسليم مدينتهم من غير حرب على أن يعوّضهم عن أملاكهم بالأموال والأراضي ، لكن الصليبيين رفضوا إجابة هذا الطلب ، فلم ير صلاح الدين بدا من محاصرة بيت المقدس « 1 » .
ولما رأى الصليبيون أنهم أصبحوا عاجزين عن المقاومة وأشرفوا على الهلاك ، طلبوا الصلح وتعهدوا أن يسلموا بيت المقدس إلى صلاح الدين وأن يخرجوا منها بأموالهم وأولادهم مقابل فدية يدفعها كل منهم . فكان يؤخذ من الرجل عشرون دينارا ومن المرأة خمسة دنانير ومن الطفل ديناران « 2 » ، وضمن لهم صلاح الدين سلامة الرحيل إلى صور أو إلى طرابلس .
ثم دخل صلاح الدين بيت المقدس في 27 رجب سنة 583 ه . وكان جميع الفرنجة قد غادروها ، ثم أمر صلاح الدين بترميم ما دمرته الحروب من مبانيها وإعادة تشييد المساجد والمدارس التي هدمها الصليبيون ، كما وضع نظاما خاصا لإدارتها .
ولما وصل إلى أهل أوروبا نبأ سقوط بيت المقدس في أيدي المسلمين أخذ رجال الدين يدعون الشعوب المسيحية وملوك أوروبا لإعدد حرب صليبية أخرى ، ولم تلبث أن تدفقت النجدات على صور ، واشترك في هذه الحرب ثلاثة من أعظم ملوك أوروبا شأنا وهم : فريدريك برباروسا إمبراطور ألمانيا ، وكان على رأس مائة ألف جندي ، وفيليب الثاني ملك فرنسا ، وريتشارد قلب الأسد ملك إنجلترا . وبينما كان الألمان يزحفون على أنطاكية غرق ملكهم في الطريق ولم يصل من جنده إلى بلاد الشام إلا القليل ، أما جيوش ريتشارد وفيليب فقد وصلت إلى عكاء واستولت عليها .
على أن هذه الحملة الصليبية قد قضى عليها لوقوع النزاع بين فيليب وريتشارد ، فعاد فيليب إلى بلاده وانفرد ريتشارد بمحاربة المسلمين ، وأظهر من الشجاعة والفروسية ما أثار إعجاب أعدائه فلقبوه « قلب الأسد » ، وقد انتصر ريتشارد أولا على جيش صلاح الدين في أرسوف ثم تابع زحفه على عسقلان ، غير أنه لما شاهد بنفسه خرائب قلعتها أدرك أنه أمام خصم عنيد ، فشرع في بدء المفاوضات معه وانتهت بإبرام صلح الرملة سنة 588 ه . ( 1192 م ) ، ومن أهم شروطه : وقف الحرب بين الفريقين ثلاث
هامش
( 1 ) ابن خلكان ج 6 ص 174 وما يليها .
( 2 ) المصدر نفسه ج 6 ص 187 .