تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي ) — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
سنة 596 ه ( 1174 م ) وعلى الرغم من أن الفرصة قد سنحت لصلاح الدين بأن يبسط سلطانه على البلاد الإسلامية في الشرق ظل يرقب الحوادث خشية أن يعرقل أهل الشام أعماله ، فأظهر احترامه للملك الصالح إسماعيل بن نور الدين ، وظل يضرب النقود باسمه ويخطب له على المنابر . غير أن هذا الملك لم يلبث أن وقع تحت نفوذ وزرائه وبطانته ، وقام الخلاف بينه وبين صلاح الدين الذي بعث إلى هؤلاء الوزراء كتابا شديد اللهجة يهددهم فيه بالمسير إلى دمشق وإنزال العقاب بهم على سوء تصرفهم . وبعد قليل استدعى أحد أمراء دمشق صلاح الدين لاحتلال المدينة ، فأسرع صلاح الدين بالمسير إليها دون أن يكترث بوجود الصليبيين في طريقه ، وتمكن من الاستيلاء على دمشق ( 570 / 1175 ) ثم أرسل إلى أتابك الشام كتابا يؤكد له فيه أنه إنما جاء إلى هذه البلاد ليقدم فروض الطاعة لذلك الصالح إسماعيل الذي رد عليه ردا شديدا اتهمه فيه بالتمرد ونكران الجميل وأثار بذلك استيلاء صلاح الدين الذي زحف إلى حلب وأوقع بأهلها ، ثم فك الحصار واتجه إلى حمص لمحاربة الصليبيين « 1 » . ثم حاول صلاح الدين التفاهم مع الملك الصالح ، فأرسل إليه كتابا يعرض فيه استعداده للتخلي عن حماه وحمص وبعلبك على أن يقره على ولاية دمشق ومصر . وقد أبى الملك الصالح إجابة هذا الطلب ، فلم ير صلاح الدين بدا من محاربته ، فاشتبك مع جيش إسماعيل في معركة بالقرب من حماه وانتصر عليهم ثم حاصرهم في حلب وأرغمهم على طلب الصلح . ولكي يستدروا عطف صلاح الدين أرسلوا إليه ابنة نور الدين ، وكانت لا تزال في دور الطفولة ، فتلقاها بالحفاوة وأحسن وفادتها وقدم إليها الهدايا . ثم سألها عما تطلبه لقومها ، فقالت إنهم يريدون بلدة « إعزاز » ، فوهبها هذه البلدة . ونزل لأخيها الملك الصالح إسماعيل عن جميع المدن التي استولى عليها من إمارة حلب . وأصبح صلاح الدين بهذا الصلح صاحب الأمر في دمشق وحمص وحماه . ولما عاد صلاح الدين إلى مصر بعد سنتين أخذ ينظم أمورها ووجه همته إلى تحصينها ليأمن شر غارات الأعداء . فعهد إلى وزيره بهاء الدين قراقوش في بناء قلعة منيعة على قمة جبل المقطم غربا لتكون مركزا لحكومته ومعقلا لجنده وليتقى بها خطر الفاطميين وأشياعهم في الداخل إذا حدثتهم أنفسهم بإذكاء نار الثورة والخروج على سلطانه .
هامش
( 1 ) ابن خلكان ج 6 ص 165 - 166 .
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي ) — صفحة 108 | حسن ابراهيم حسن