جلال الدولة ( 416 - 435 ه ) :
كان أبو طاهر جلال الدولة من أطول سلاطين بنى بويه عهدا في الحكم ، فقد أقيمت له الخطبة بالعراق بعد أخيه مشرف الدولة ، وطلب إليه وهو بالبصرة الحضور إلى بغداد ، ولكنه سار إلى واسط ثم عاد إلى البصرة ، فقطعت الخطبة له وتحولت إلى ابن أخيه الملك أبى كاليجار بن سلطان الدولة ، وكان مشغولا بالحرب مع عمه أبى الفوارس صاحب كرمان فاتخذ جلال الدولة من ذلك فرصة للمسير إلى بغداد والاستيلاء عليها وإقامة الخطبة لنفسه من جديد « 1 » .
ويقول أبو الفدا ( ج 2 ص 156 ) إن الخليفة القادر استدعى جلال الدولة ، وكان بالبصرة ، إلى بغداد « لما حصل من النهب والفتن » ، لخلوها من السلطان ، فدخلها في اليوم الثالث من شهر رمضان ( سنة 418 ه ) وخرج الخليفة القادر للقائه ، وحلفه واستوثق منه ، واستقر جلال الدولة في بغداد .
وقد أوضح ابن الأثير ( ج 9 ص 135 ) ازدياد نفوذ الأتراك وتأثيرهم في تسيير أمور الدولة العباسية في ذلك الحين ، حتى إنهم أخذوا يتدخلون في تولية سلاطين بنى بويه وعزلهم ، ويحملونهم على أن يحلفوا لهم بالطاعة والوفاء ، والخليفة في ذلك كله لا يملك إلا تفيد رغباتهم .
على أن الأتراك كانوا ينزعون دائما إلى شق عصا الطاعة مدفوعين بعوامل الطمع وابتزاز الأموال . ففي سنة 419 ه ثاروا على جلال الدولة ببغداد ونهبوا داره ودور أنصاره كما نهبوا صياغات أخرجها جلال الدولة لنضرب دنانير ودراهم ، وتفرق فيهم .
وحصروا جلال الدولة في داره ومنعوه الطعام والماء ، حتى شرب أهله ماء البئر وأكلوا ثمرة البستان . . ثم أرسل إلى الخليفة القادر باللّه ليصلح الأمر مع أولئك القواد ، فأصلح بينهم وبين جلال الدولة . ولم يمض غير أيام حتى عادوا إلى الشغب واضطر جلال الدولة إلى بيع فرشه وثيابه وخيمه ، وفرق ثمنها فيهم « 2 » .
ولم يكن هذا كله ما صادف جلال الدولة من صعاب في سبيل إقرار مكة بالعراق ، فقد قام في وجهه أبو كاليجار بن سلطان الدولة الذي استمال إليه بعض أمراء العراق واستولى على البصرة ،
هامش
( 1 ) ابن الأثير ج 9 ص 129 .
( 2 ) المصدر نفسه ج 9 ص 137 .