وقال الثامن : أما أنه لو كان معتبرا في حياته لما صار عبرة في مماته . وقال التاسع : الصاعد في درجات الدنيا إلى إسفال ، والنازل في درجاتها إلى تعال . وقال العاشر : كيف غفلت عن هذا الأمر حتى نفذ فيك ؟ وهلا اتخذت دونه جنة تقيك ؟ إن في ذلك لعبرة للمعتبرين ، وإنك لآية للمستبصرين » .
توفى عضد الدولة في الثامن من شهر شوال سنة 372 ، وله من العمر سبعة وأربعون سنة وأحد عشر شهرا ، وحمل إلى مشهد الإمام علي بن أبي طالب . وكانت ولايته خمس سنين ونصف سنة ، استبد فيها بالسلطة ، وأمن شر أعدائه في الداخل والخارج ، ووطد دعائم سلطانه فنشر العدل وشجع العلماء وعنى بالعبارة على ما رأينا .
ولما مات عضد الدولة خلفه ابنه أبو كاليجار المرزبان ، الذي بايعه الأمراء والقواد لقبوه صمصام الدولة « 1 » ، ولقبه الخليفة الضائع شمس الملة « 2 » « وخلع عليه الخلع السبع والعمة السوداء ، وسور وطوق وثوج ؟ ؟ ؟ ، وعقد له لواءان وحمل على فرس بمركب ذهب وقيد بين يديه مثله ، وقرىء عهد بتقليده الأمور فيما بلغت الدولة ( العباسية ) من جميع الممالك . . . وجددت له البيعة ، وأطلق رسومها وأقيمت الدعوة وغيرت السكة » .
ويظهر أن العلاقة بين الخليفة الطائع صمصام الدولة كانت تنطوى على شئ من المودة والصفاء . على أن النزاع لم يلبث أن قام بين صمصام الدولة أكبر إخوانه وشرف الدولة ، وكان يمتد نفوذه على أصبهان والري وشيراز وغيرها « 3 » وقد عزم على أخذ بلاد العراق ، وتسلسل إليه جنود صمصام الدولة ودخلوا في طاعته « 4 » .
وقد أدرك صمصام الدولة حرج مركزه ورأى عجزه عن مناهضة أخيه ، فأرسل إليه يطلب الصلح . ولكن هذا الصلح لم يتم . ففي سنة 376 ه . سار شرف الدولة من الأهواز إلى واسط فاستولى عليها ، ولما استشار صمصام الدولة أصحابه نصح له بعضهم بالمسير إلى الموصل وبلاد الجبل حيث تتاح له فرصة مقاومة أخيه شرف الدولة وإحداث الشقاق بين أنصاره من الديلم والأتراك ، وأشار بعضهم الآخر بمكاتبة عمه فخر الدولة وطلب النجدة منه المسير إلى قرميسين « 5 » ، ثم إلى أصبهان وفارس والاستيلاء على خزائن شرف الدولة ( 4 - تاريخ الإسلام السياسي - ج 3 )
هامش
( 1 ) ابن الأثير ج 9 ص 9 .
( 2 ) السيوطي : تاريخ الخلفاء ص 271 .
( 3 ) ابن العميد : تاريخ المسلمين ص 42 .
( 4 ) أبو شجاع ج 3 ص 121 .
( 5 ) يفتح القاف وكسر الميم ، بلد بينه وبين همذان ثلاثون فرسخا ، يقع بالقرب من دينور كما يقع بين همذان وحلوان على جادة الحاج