تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي ) — صفحة 35

مساهمون:

ص٣٥
وقد أمدنا مسكويه « 1 » ، وعنه أخذ ابن الأثير ، بمعلومات طريفة عن خلع المتقى وأخذ البيعة للمستكفى ، وما كان للأتراك والنساء من أثر في ذلك . ومن ذلك يتبين مبلغ الضعف الذي وصلت إليه الخلافة العباسية والخلاف الذي ساد بين أفراد البيت العباسي ، حتى إن هؤلاء كانوا لا يتورعون عن التآمر بعضهم على بعض ابتغاء الوصول إلى الحكم . وكان الخليفة المستكفى كغيره من الخلفاء الذين سبقوه ألعوبة في أيدي الأتراك ، حتى إن توزون الذي أقره الخليفة في منصب إمرة الأمراء « ضم إليه غلاما تركيا من غلمانه يقف بين يديه « 2 » » . ولا شك أن الدافع الذي حدا بتوزون إلى انتهاج هذه السياسة هو الوقوف على أسرار الخليفة وما يجرى في دار الخلافة من أمور . وفي أوائل عهد المستكفى مات توزون ( المحرم سنة 334 ه ) ، وكانت مدة إمارته سنتين وأربعة أشهر ، فخلفه في إمرة الأمراء أبو جعفر بن شيرزاد . اختلف المؤرخون في تقدير أعمال شيرزاد : فالصولى يرى أنه كان من أحسن الأمراء سياسة . على أن هذا الأمير لم يكن أقل عنتا ممن سبقوه ، فقد زاد أرزاق الجند من الأتراك والديلم زيادة كبيرة ، وصادر الأموال لاسترضائهم ، وفرض الأموال الكثيرة على الكتاب والعمال والتجار وغيرهم من الناس ، وزادت الضرائب في أيامه زيادة حملت التجار على الهرب من بغداد ، وضاعت هيبة الحكومة ، وعجز الشرطة عن الضرب على أيدي اللصوص والمفسدين . ولم تطل خلافة المستكفى باللّه ، فقد جلس على العرش سنة وأربعة أشهر استبد توزون فيها بالسلطة ، ثم خلفه ابن شيرزاد الذي استخفى بعد أن تقلد إمرة الأمراء ثلاثة أشهر وعشرين يوما . ثم استولى معز الدولة بن بويه على بغداد . على أن الخلافة العباسية لم تستفد من هذا النظام الذي أدخله الراضي بإنشاء منصب أمير الأمراء لإقامة الخلافة من عثرتها ، بل زادت أحوالها سوءا . وإن من يستقصى عهد الراضي ( 322 - 329 ه ) والمتقى ( 329 - 333 ه ) والمستكفى ( 333 - 334 ه ) - ذلك العهد الذي انتهى بدخول بنى بويه بغداد واستبدادهم بالأمر دون الخليفة وأمير الأمراء - يجده عبارة عن سلسلة منازعات لا تنقطع بين رجالات الدولة العباسية الذين عمل كل منهم على الاستئثار بالسلطة وتولى إمرة الأمراء . نعم ! قام النزاع بين ابن رائق
هامش
( 1 ) تجارب الأمم : ج 2 ص 72 - 75 . ( 2 ) المسعودي : مروج الذهب ج 2 ص 541 .