وقد كان معز الدولة بعد تملكه البلاد يعترف بنعمة اللّه تعالى ويقول : كنت أحتطب الحطب على رأسي « 1 » » .
وتاريخ بنى بويه قبل ظهورهم في عالم الدول أشبه بالخرافة ، وكان لانتشار التنجيم والطلسمات في ذلك الوقت أثره في التنبؤ بما أضمره لهم القدر من التقدم في معارج الرقى والوصول إلى درجة عظيمة من الملك واستبدادهم بالسلطة دون الخلفاء ، حتى خضعت لهم الرقاب ودانت لهم البلاد بعد ما كانوا يعانونه من الفقر والمسكنة . يقول صاحب الفخري ( ص 249 - 250 ) « فكان من مبدأ دولتهم ما حدث شهريار بن رستم الديلمي قال : « كان أبو شجاع بويه في مبدأ أمره صديقا لي ؛ فدخلت عليه وقد ماتت زوجته أم أولاده الثلاثة الذين تملكوا البلاد ، وهم عماد الدولة أبو الحسن على ، وركن الدولة أبو علي الحسن ، ومعز الدولة أبو الحسين أحمد . وقد اشتد حزن أبى شجاع بويه على زوجته ، فعزيته وسكنت قلفه ، ونقلته إلى منزلي ، وأحضرت له طعاما وجمعت إليه أولاده الثلاثة . فبيناهم عندي إذ مر بالباب شخص يقول : المنجم المعزم . مفسر المنامات ، كاتب الرقى والطلسمات ؛ فاستدعاه أبو شجاع بويه وقال له : قد رأيت البارحة رؤيا فسرها لي ، ثم قص عليه الرؤيا ، فقال المنجم : هذا منام عظيم ولا أفسره إلا بخلعة وفرس ؛ فقال له بويه : واللّه ما أملك غير الثياب التي على جسدي ، وإن أعطيتك إياها بقيت عريانا .
فقال المنجم : فعشرة دنانير ، فقال له بويه : واللّه ما أملك دينارين فكيف عشرة ؟ ثم إنه أعطاه شيئا يسيرا ، فقال المنجم : أعلم أنه يكون لك ثلاثة أولاد يملكون الأرض ومن عليها ، ويعلو ذكرهم في الآفاق ، ويولد لهم جماعة ملوك ؛ فقال له بويه : أما تستحى تسخر بنا ! أنا رجل فقير مضطر وأولادي هؤلاء فقراء مساكين ، فمن أين هم والملك ؟ فقال له المنجم : فأخبرني عن وقت ولادة واحد واحد من أولادك ، فأخبره بويه ذلك ، فجعل ينظر في اصطرلابه وتقاويمه ، ثم نهض المنجم وقبل يد عماد الدولة أبى الحسن على وقال :
هذا واللّه الذي يملك البلاد ؛ ثم يملك هذا من بعده ، وقبض على يد أخيه أبى على الحسن ، فاغتاط منه أبو شجاع بويه وقال لأولاده : اصفعوه فقد أفرط في السخرية بنا ، فصفعوه ونحن نضحك منه فقال المنجم : لا بأس بهذا إذا ذكرتم لي هذا الحال عند ولايتكم ؛ فأعطاه أبو شجاع عشرة دراهم وانصرف » .
هامش
( 1 ) ذكر ابن خلكان ( ج 1 ص 56 ) أن معز الدولة كان في أول أمره يحمل الحطب على رأسه ، ثم ملك هو وإخوته الثلاثة البلاد ، وكان أصغر إخوته .