علم أبو عبد اللّه البريدى أن جماعة من الأتراك بزعمامة توزون يريدون الفتك به وعلم توزون بذلك ، فاستولى على دار مؤنس ، وعاد الخليفة المتقى إلى بغداد في 18 شوال سنة 330 ه بعد أن غاب عنها ثلاثة أشهر وعشرين يوما ، وقلد توزون شرطة بغداد .
واستوزر أبا إسحاق القراريطى . ثم سطع نجم بنى حمدان في أفق الدولة العباسية « 1 » ، فخلع الخليفة على الحسن بن عبد اللّه ، وطوق وسور بسوارين وسمى ناصر الدولة ، كما خلع على أخيه أبى الحسن ولقب سيف الدولة . وقد بدأ ناصر الدولة بن حمدان عهده بإصلاح السكة ، وحال دون عبث العيارين والصيارف بعيارها ، وأضاف إلى عبارة محمد رسول اللّه « صلى اللّه عليه وسلم » . ثم ضرب في المحرم من سنة 331 ه دنانير جديدة ، وهدد الصيارف بإنزال العقاب بهم إذا لم يقلعوا عن الربا « 2 » .
على أن حال بغداد في عهد الحمدانيين ( 330 - 331 ه ) الذين عرفوا بتشجيع الأدباء والشعراء بعطاياهم ، لم تكن أحسن منها في عهد من سبقهم من أمراء الأمراء . فقد « كثرت المتلصصة ببغداد ، وكبست دور المياسير ، وخرج الناس عن بغداد هاربين إلى كل وجه ، على انسداد طرقهم ، ولو أمنوا الخرج أضعاف من خرج . وغلت الأسعار في جمادى الآخرة غلاء عظيما ، ومات الناس جوعا ووقع فيهم الوباء ، فكانوا يبقون على الطريق أياما لا يدفنون حتى أكلت الكلاب بعضهم . . وكتر الجراد في هذا الوقت فصاده الناس ، وانتفع الضعفاء بأكله وصيده . وكان نعمة من اللّه جل وعلا . . وغلت الأسعار وعز كل شئ من سائر الأطعمة والملبوس » . أضف إلى ذلك وقوع الخلاف بين سيف الدولة الحمداني وتوزون واستيلاء البريديين على الجامدة ، ثم وقوع الحرب بين البريديين وأحمد بن بويه على مقربة من البصرة « 3 » على أن سوء التفاهم بين الخليفة وبنى حمدان لم يحل دون زواج أبى منصور بن المتقى من ابنة ناصر الدولة بن حمدان .
استوزر ناصر الدولة بن حمدان أبا العباس أحمد بن عبد اللّه الأصبهاني ، فلم يكن له من الوزارة إلا اسمها . ويقول الصولي ( ص 235 ) : « وضيق ناصر الدولة على المتقى للّه في
هامش
( 1 ) مسكوبه ج 2 ص 28 .
( 2 ) الصولي : أخبار الراضي باللّه والمتقى للّه : ص 226 - 229 و 231 .
( 3 ) للمصدر نفسه ص 234 - 237 .