الراضي من دفع أرزاق الجند ولا من الحصول على ما يكفيه . وفكر الخليفة في الاستنجاد بأبى عبد اللّه الحسن البريدى « 1 » . وظلت الحال على ذلك حتى توفى الراضي ليلة السبت لأربع عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول سنة 329 ه ، بعد أن حكم الدولة العباسية ست سنين وعشرة أشهر وعشرة أيام ، وله من العمر إحدى وثلاثون سنة وستة أشهر ، وكان الغالب على أمور دولته بجكم التركي . وكان قبل وفاته يقيم بواسط . ويظهر أنه كان لحبسه في عهد الخليفة القاهر أثر كبير في ضعف جسمه .
كان الخليفة الراضي آخر خليفة له شعر مدون ، وآخر خليفة انفرد بتدبير الجند ، وآخر خليفة خطب على منبر يوم الجمعة ، وآخر خليفة جالس الندماء . وقد « سئل أن يخطب يوم الجمعة ، فصعد المنبر بسر من رأى . فشنف الأسماع وبالغ في الموعظة » « 2 » .
وقد وصف ابن الأثير « 3 » الدولة العباسية في عهد الراضي في هذه العبارة فقال :
« ولم يبق الخليفة غير بغداد وأعمالها ، والحكم في جميعها لابن رائق ، ليس للخليفة حكم .
وأما باقي الأطراف : فكانت البصرة في يد ابن رائق ، وخوزستان في يدي البريدى ، وفارس في يد عماد الدولة بن بويه ، وكرمان في يد أبى على محمد بن إلياس ، والري وأصبهان والجبل في يد ركن الدولة بن بويه ويد وشمكير أخي مرداويج يتنازعان عليها . والموصل وديار بكر ومضر وربيعة في يد بنى حمدان ، ومصر والشام في يد محمد بن طغج ؟ ؟ ؟ ؟ ، والمغرب وإفريقية في يد عبد الرحمن بن محمد الملقب بالناصر الأموي « 4 » ، وخراسان وما وراء النهر في يد نصر بن أحمد السامانى ، وطبرستان وجرجان في يد الديلم ، والبحرين واليمامة في يد أبى طاهر القرمطي » .
ولما توفى الراضي باللّه اجتمع الكوفي كاتب بحكم مع سليمان بن الحسن وزير الراضي وغيره ممن تقلد الوزارة وأصحاب الدواوين والعلويون والقضاة وأفراد البيت العباسي وسائر رجالات الدولة العباسية وشاورهم فيمن يصلح للخلافة فرشحوا إبراهيم بن المقتدر لهذا المنصب ،
هامش
( 1 ) الصولي . أخبار الراضي باللّه والمتقى للّه ص 133 - 135 .
( 2 ) الفخري ص 251 . السيوطي : تاريخ الخلفاء ص 261 .
( 3 ) ج 8 ص 112 - 113 .
( 4 ) أعلن عبد الرحمن الثالث بن محمد الأموي في بلاد الأندلس ( ؟ ؟ ؟ - 350 ه ) نفسه خليفة وتلقب بلقب أمير المؤمنين الناصر لدين اللّه سنة 316 ه .