كضرائر الحسناء قلن لوجهها * حسدا وبغضا إنه لذميم
لم يمض على عودة المقتدر إلى الخلافة المرة الثانية سنة واحدة ، حتى خرج عليه مؤنس ثانية ، وانتهى الأمر بقتله ، وتركت جثته مكشوفة أياما ثم دفن بالموضع الذي مات فيه وذلك يوم الأربعاء لثلاث بقين من شوال سنة 320 ه . وقد أدى ما فعله مؤنس إلى تحرز الولاة العباسيين على خلفائهم ، كما أدى إلى ضعف الخلافة « 1 » .
وفي عهد المقتدر نبغ كثير من العلماء ، نخص بالذكر منهم الفقيه محمد بن داود الظاهري وابن شريح شيخ الشافعية ، والجنيد شيخ الصوفية ، والنسائي صاحب كتاب السنن .
والجبائي شيخ المعتزلة ، وابن جرير الطبري ، والزجاج النحوي ، والأخفش الصغير النحوي ، وأبو عوانة صاحب الصحيح ، وقدامة بن جعفر الكاتب ، وابن زكريا الطبيب .
ولى الخلافة بعد المقتدر أخوه أبو منصور محمد بن المعتضد ولقب القاهر باللّه . وفي عهده انتشرت الفتن الداخلية ، فلم تمض عليه في الخلافة سنة واحدة حتى شغب عليه الجند ، واتفق بعض كبار رجال دولته وقائده مؤنس ووزيره ابن مقلة على خلعه وتولية أحد أولاد المكتفى .
فلما علم القاهر بذلك عول على التخلص منهم . « فتحيل القاهر عليهم إلى أن أمسكهم وذبحهم وطين على ابن المكتفى بين حيطين » « 2 » .
وقد اشتهر القاهر بالقسوة ، واتخذ حربة عظيمة يحملها بيده إذا سعى في ذلك ، ويطرحها بين يديه في حال جلوسه يباشر الحرب « 3 » بتلك الحربة لمن يريد قتله ، فسكن من كان يستعدى على من كان قبله من الخلفاء والتشغب والوثب عليهم . وكان . . مخوف السطوة « 4 » » .
ويقول السيوطي « 5 » : « إنه زيدت في ألقابه عبارة المنتقم من أعداء اللّه ونقش ذلك على السكة » .
وكان القاهر - كما وصفه الصولي - « أهوج سفاكا للدماء قبيح السيرة كثير التلون والاستحالة ، مدمن الخمر ، ولولا جودة حاجبه سلامة لأهلك الحرث والنسل » .
وقد نجا الوزير ابن مقلة بنفسه ، إلا أن داره أحرقت ، ونهبت دور أتباعه . ولما هدأت الفتنة أعطى الخليفة القاهر الجند أرزاقهم ، فهدأت نفوسهم وسكنت ثائرتهم ؛ واستطاع أن يقبض على زمام الأمور من جديد « 6 » . إلا أن جماعة الساجية أتباع ابن أبي الساج أحد
هامش
( 1 ) ابن الأثير ج 8 ص 82 - 83 .
( 2 ) السيوطي : تاريخ الخلفاء ص 257 .
( 3 ) ولعله يريد الصرب .
( 4 ) المسعودي : مروج الذهب ج 2 ص 514 .
( 5 ) تاريخ الخلفاء ص 257 ، 258 .
( 6 ) ابن الأثير ج 8 ص 83 - 84 .