وقد وصف ميور « 1 » الدولة العباسية في عهد المقتدر فقال : « إن عهد هذا الخليفة النعس قد هوى بالدولة إلى الحضيض . فقد ضاعت ممتلكانها في الخارج : فضاعت إفريقية وأوشكت مصر أن تضيع ، واستغل أمراء بنى حمدان بالموصل ، واستطاع البيزنطيون أن يشنوا إغاراتهم المتصلة على الحدود المتاخمة التي ضعف الدفاع عنها . ومع ذلك بقي شئ من الاعتراف بسلطان الخلافة في البلاد الشرقية ، حتى بين أولئك الأمراء الذين نادوا أخيرا باستقلال ولاياتهم . أما في الأراضي القريبة من حاضرة العباسيين فقد أخمدت ثورات القرامطة المخيفين إلى حين . وفي بغداد نفسها ، صار الخليفة المقتدر الذي كان آلة في أيدي رجال البلاط المفسدين ذوى الأطماع الدنيئة تحت رحمة حراسه من الأجانب الذين أصبحوا يأتمرون إلى حد كبير بأوامر القواد من الأتراك وغيرهم ، الذين لا يمتون إلى العباسيين يصلة والذين كانوا يشعلون نار الثورة من حين إلى حين » .
وإذا علمنا أن هذا الخليفة قد غلب على أمره وخلع مرتين وذبح في النهاية عندما حاول مقاومة أحد قواده المخلصين لعرشه الذي استعان به ، فلا نعجب إذا تلاشت تلك الهيبة التي عمل أسلافه القريبون على استعادتها ، وغدا العرش مرة ثانية هدفا للازدراء في الداخل ، وفرصة سانحة تحمل على إغراء المغيرين على الدولة من الخارج . أضف إلى ذلك أن الشعب قد فسدت أخلاقه ، ولم تعد بغداد بعد ذلك المكان الذي يضم رجالا أقوياء يدافعون عن بلادهم ، بل يحكمون أنفسهم إذا دعت الحالة إلى ذلك . أما الآن فقد أصبحوا أحزابا وشيعا متطاحنة تستطيع أن تخضب الطرق بالدماء ، كما فعلوا في ذلك الحين عند تفسير نص من النصوص ، وكما حدث أيضا عندما ثار الحنابلة ورموا الطبري بالإلحاد وحالوا دون دفنه .
وقد أشار ابن الأثير « 2 » إلى ذلك بقوله : دفن الطبري « ليلا بداره لأن العامة اجتمعت ومنعت من دفنه نهارا ، وادعوا عليه بالرفض ثم ادعو عليه الإلحاد . . . فليس الأمر كذلك وإنما بعض الحنابلة تعصبوا عليه ووقعوا فيه فتبعهم غيرهم : ولذلك سبب هو أن الطبري جمع كتابا فيه اختلاف الفقهاء - لم يصنف مثله - ولم يذكر فيه أحمد بن حنبل ، فقيل له في ذلك فقال : لم يكن فقيها وإنما كان محدثا : فاشتد ذلك على الحنابلة ، وكانوا لا يحصون كثرة بغداد ، فشغبوا عليه وقالوا ما أرادوا .
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه * فالناس أعداء له وخصوم
هامش
( 1 ). 8 - 765 . pp , etahpilaC ehT( 2 ) ج 8 ص 45 - 46 .