نشر الدعوة الفاطمية في بلاد المغرب وحارب كثيرا من زعماء البربر ومهد للقضاء على دولة الأغالية فيما بعد . كما ظهر في عهد المعتضد نصر بن أحمد السامانى مؤسس الدولة السامانية في بلاد ما وراء النهر على ما سيأتي الكلام على ذلك في الباب الرابع .
وقد ساعد موت الموفق وابن كنداج ( سنة 278 ه ) والخليفة المعتمد ( سنة 279 ه ) على توثيق العلاقات بين خماروية بن أحمد بن طولون والخليفة العباسي ولا غرو فقد استطاع خماويه أن يكسب رضا المعتضد بهداياه ، فأقره على ولاية البلاد الممتدة بين القرات وبرقة ثلاثين سنة ، وجعلها لأولاده من بعده . ويذكر أبو المحاسن « 1 » « أن رسول الخليفة قدم على خمارويه يحمل إليه اثنتي عشرة خلعة ، وسيفا وتاجا ووشاحا » . وكان من أثر سياسة حسن التفاهم أن عرض خمارويه زواج ابنته أسماء التي تقلبت بقطر الندى من ابن الخليفة العباسي ، ولكنه اختارها لنفسه .
وكان المعتضد وافر العقل شديد الوطأة قليل الرحمة ، إذا غضب على قائد أمر بإلقائه في حفرة وردم عليه . وكان شهما جلدا موصوفا بالرجلة ، قد لقى الحروب وعرف فضله ، فقام بالأمر أحسن قيام . وهابه الناس ورهبوه أعظم رهبة ، وسكنت الفتن في أيامه لفرط علته . وكانت أيامه كثيرة الأمن والرخاء ، وكان قد أسقط المكوس ونشر العدل ورفع الظلم عن الرعية ، كما كان يسمى السفاح الثاني لأنه جدد ملك بنى العباس .
وقد وصفه ابن الأثير « 2 » في هذه العبارة : « كان المعتضد أسمر نحيف الجسم معتدل الخلق ، وكان شهما شجاعا مقداما ، وكان ذا عزم ، وكان فيه شح . بلغه خبر وصيف خادم ابن أبي الساج وعليه قباء أصفر . فسار من ساعته وظفر بوصيف وعاد فدخل أنطاكية وعليه القباء ، فقال بعض أهلها : الخليفة بغير سواد فقال بعض أصحابه : إنه سار فيه ولم ينزعه إلى الآن . وكان عفيفا . وكان مهيبا عند أصحابه يتقون سطوته ويكفون عن الظلم خوفا منه » .
وقد نبغ في عهد المعتضد كثير من الكتاب والمفكرين والشعراء ، نخص بالذكر منهم ابن أبي الدنيا ( 281 ه ) مثقف الخليفة المكتفى في حداثته ، والبحتري ( 284 ه ) ، والمبرد اللغوي المشهور ( 286 ه ) وابن قتيبة ( 276 ه ) ، والبلاذري ( 279 ه ) ، وأبا حنيفة الدنيورى ( 276 ه ) ، وابن واضح اليعقوبي ( 282 ه ) . وكانوا من أكابر مؤرخي هذا
هامش
( 1 ) النجوم الزهراء ج 3 ص 78 .
( 2 ) ج 7 ص 183 .