الباب الثامن الحالة الاقتصادية
1 - الزراعة
ذكرنا في الجزء الثاني من هذا الكتاب « 1 » أن العباسيين عنوا بالزراعة وفلاحة البساتين التي قامت على دراسة عملية ، بفضل انتشار المدارس الزراعية التي كان لها أثر كبير في إنارة عقول المسلمين ، فتوسعوا في البحث النظري ، ودرسوا أنواع النباتات وصلاحية التربة لزراعتها ، واستعملوا الأسمدة المختلفة لأنواع النباتات .
ولما كانت الزراعة تعتمد على الري ، عنى العباسيون بتنظيم أساليبه ، وجعل الماء مباحا للجميع . ولذلك عملوا على تنظيمه في مصر والعراق واليمن وشمال شرقي فارس وبلاد ما وراء النهر . وبلغ هذا النظام شأوا بعيدا من الدقة ، حتى إن الأوربيين أدخلوا كثيرا من هذه النظم في بلادهم . وقد عنيت الدولة العباسية بصيانة السدود والترع ، وجعلوا عليها جماعة من الموظفين أطلق عليهم اسم المهندسين ، ومهمتهم المحافظة على هذه السدود خشية انبثاق الماء منها ، إذ يكفيه ( عمران الخارج على بختيار بن معز الدولة ) « إيقاع ثلمة يسيرة في أحد نواحي السد ثم يحمل الماء فيتولى كفايته « 2 » في الهدم والتخريب . فربما أفسد في ساعة أو نهار تعب سنة أو نحوها .
وذلك أن هذه السدود تكون من قصب وتراب يقام في وجوه المياه الجارية عند ضعف جريانها وغاية نقصانها . فإذا وردت المياه القوية ، ومنعت من حدودها « 3 » ، كفى معها « 4 » اليسير من المعونة « 5 » حتى تنبعث ويدفع بعضها بعضا . وربما كان سبب انبثاق ثقب الماء فأرة ، يوسعه الماء وينتهى فيه إلى حيث لا حيلة في سده « 6 » » .
هامش
( 1 ) الطبعة السابعة ص 305 .
( 2 ) أن يبلغ مداه .
( 3 ) أي من أنصابها وجريها .
( 4 ) في الأصل منها ولعلها تحريف عما أثبتناه .
( 5 ) يعنى المعاونة في فتح ثلمة يسيرة يندفع منها الماء .
( 6 ) مسكويه : تجارب الأمم ج 2 ص 296 - 297 .