تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي ) — صفحة 316

مساهمون:

ص٣١٦

( ج ) الحسبة

كانت سلطة القاضي موزعة بينه وبين المحتسب وقاضى المظالم . فوظيفة القاضي فض المنازعات المرتبطة بالدين بوجه عام ، ووظيفة المحتسب النظر فيما يتعلق بالنظام العام والجنايات أحيانا مما يستدعى الفصل فيها إلى السرعة ، ووظيفة قاضى المظالم الفصل فيما استعصى من الأحكام على القاضي والمحتسب . وكان القضاء والحسبة يسندان في بعض الأحيان إلى رجل واحد ، مع ما بين العملين من التباين . فعمل القاضي مبنى على التحقيق والأناة في الحكم ، وعمل المحتسب مبنى على الشدة والسرعة في الفصل « 1 » . وكان عمر بن الخطاب أول من وضع نظام الحسبة ، وكان يقوم بعمل المحتسب بنفسه « 2 » ، ولو أن هذا اللفظ لم يستعمل إلا في عهد الخليفة المهدى العباسي ( 158 - 169 ه ) . وقد أجمل ابن خلدون « 3 » أعمال المحتسب في هذه العبارة فقال : « ويبحث عن المنكرات ، ويعزر ( يزجر ) ويؤدب على قدرها ، ويحمل الناس على المصالح العامة في المدينة ، مثل المنع من المضايقة في الطرقات ، ومنع الحمالين وأهل السفن من الإكثار في الحمل ، والحكم على أهل المباني المتداعية للسقوط بهدمها وإزالة ما يتوقع من ضررها على السابلة ، والضرب على أيدي المعلمين في المكاتب وغيرها في الإبلاغ في ضربهم للصبيان المتعلمين « 4 » . ولا يتوقف حكمه على تنازع أو استعداء « 5 » ، بل له النظر والحكم فيما يصل إلى علمه من ذلك ويرفع إليه . وليس له إمضاء الحكم في الدعاوى مطلقا فيما يتعلق بالغش والتدليس في المعايش وغيرها ، وفي المكايل والموازين . وله أيضا حمل المماطلين على الإنصاف ، وأمثال ذلك مما ليس فيه سماع بينة ولا إنفاذ حكم . وكأنها أحكام ينزد القاضي عنها لعمومها وسهولة أغراضها ، فتدفع إلى صاحب
هامش
( 1 ) راجع الماوردي : الأحكام السلطانية ص 61 - 72 . ( 2 ) روى ابن تيمية « الحسبة في الإسلام » ( القاهرة 1359 ، ص 33 ) أن عمر بن الخطاب عين عبد الملك بن عتبة عاملا على السوق ، وأن عمر منع الشعراء من التشبيب بالنساء ( الأغانى ؟ ؟ ؟ ) وكان يؤدب من تعرض لهن بعشرين سوطا ، ومنع أن يجتمع الصبيان بمن يتهم بالفاحشة ( ابن تيمية ، المصدر نفسه ص 93 ) . ( 3 ) مقدمة ص 196 . ( 4 ) لم يقتصر زجر المحتسب هنا على المعلمين إذا ضربوا الصبيان ضربا مبرحا ، بل كان له أن يزجر العالم إذا خالف ما أجمع عليه الفقهاء في تفسير القرآن أو انفرد برواية حديث ينطوى على الابتداع بقصد إفساد العقول ، فإذا لم يكف عن ذلك فله أن ينكر عليه ويحول دون تكرار ما حدث إذا ما أجمع علماء هذا العصر على إنكاره وابتداعه ( الماوردي : الأحكام السلطانية ص 230 ) . ( 5 ) أي طلب رد عدوان الغير .
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي ) — صفحة 316 | حسن ابراهيم حسن