في مكان آخر : « وذكر صالح بن علي الهاشمي قال : حضرت يوما من الأيام جلوس المهتدى للمظالم ، فرأيت من سهولة الوصول ونفوذ الكتب عنه إلى النواحي فيما يتظلم به إليه ما استحسنته » .
وقد تطور نظام النظر في المظالم ، فأصبح الوزراء يجلسون للنظر فيها ، ويجلس أكثر الكتاب في مجالسهم ، بل تعدى الأمر إلى جلوس بعض النساء للنظر في المظالم .
فقد تمتعت « السيدة » أم الخليفة المقتدر بنفوذ كبير ، واتسعت سلطاتها إلى حد أنها استطاعت أن تعين قهرمانتها « ثومال » صاحبة للمظالم في سنة 306 ه ، فكانت تجلس في مكان بنته « السيدة » في الرصافة « وتنظر في رقاع الناس كل جمعة . فكانت تجلس وتحضر القضاة والأعيان ، وتبرز التواقيع وعليها خطها » « 1 » .
ولم تكن محكمة المظالم تنظر في قضايا الأفراد وحدها ، بل تعدى اختصاصها إلى الفصل في شكاوى الشعب عامة .
وكان صاحب المظالم أكثر حرية من القاضي في أحكامه . وقد بين الماوردي « 2 » الفروق بين نظر المظالم ونظر القضاء . ومن أهم هذه الفروق أن لناظر المظالم من فضل الهيبة وقوة اليد ما ليس للقضاة ، يكف ؟ ؟ ؟ ؟ الخصوم عن التجاحد « 3 » ، ومنع الظلمة من التغالب والتجاذب ، وأنه يستعمل من الإرهاب ومعرفة الأمارات والشواهد ما يصل به إلى معرفة المحق من المبطل ، وأنه يستطيع رد الخصوم إذا أعضلوا « 4 » إلى وساطة الأمناء ليفصلوا التنازع بينهم صلحا عن تراض « 5 » . وليس للقاضي ذلك إلا عند رضا الخصمين بالرد ، وأنه يجوز له إحلاف الشهود عند ارتيابه فيهم ، والاستكثار من عددهم ليزول عنه الشك ، وأنه يجوز له أن يبتدئ باستدعاء الشهود وسؤالهم عما عندهم . ومن عادة القضاء تكليف المدعى أن يحضر بينة ، ولا يسمعون البينة إلا بعد سؤاله .
هامش
( 1 ) السيوطي : تاريخ الخلفاء ص 253 .
( 2 ) الأحكام السلطانية ص 79 - 80 .
( 3 ) المبالغة في إنكار الحق من كلا الخصمين .
( 4 ) استعصى التوفيق بينهم .
( 5 ) يعنى أن القاضي إذا لم يتبين رجاحة حجج أحد الخصمين وأشكل الأمر عليه أحال الخصمين على لجنة من ديوان المظالم أو نحوها للتوفيق بينهما صلحا .