كغيره من موظفى الدولة . وقد بلغ من محبة الناس للقاضي أن أصبح الولاة في مصر يخشون عزلهم حتى لا يتعرضوا لكراهية الجمهور . ولا غرو فإنه لم يعد للوالي في العصر العباسي سلطة عزل القضاة بل صارت تصدر المراسيم بتعيينهم من بغداد مباشرة . وكان تحديد رواتبهم ودفعها من اختصاص الخليفة نفسه .
ولم يكن القضاة في عهد الطولونيين ( 254 - 292 ه ) والإخشيديين ( 323 - 358 ه ) تابعين لمذهب واحد ، بل كان كل منهم يحكم وفق المذهب الذي ينتمى إليه ، واشتهر قضاة هذا العصر بالنزاهة والاستقامة وعدم المحاباة .
وقد نبغ في عهد الطولونيين القاضي بكار بن قتيبة ، وكان من أعلم القضاة بالفقه الإسلامي .
وكان أبو الطاهر قاضى القضاة في مصر وقت الفتح الفاطمي سنة 358 ه . وقد تولى هذا المنصب منذ شهر ربيع الأول سنة 248 ه ، فرأى جوهر الصقلى أن عزله وإحلال قاض من الشيعة محله قد يثير غضب المصريين ، فأقره في منصبه لغرض سياسي فحسب ، وعمل في الوقت نفسه على الحد من نفوذه .
وفي سنة 362 ه عين المعز قاضيا آخر من الشيعة ، هو علي بن أبي حنيفة النعمان المغربي ، فقاسم أبا الطاهر القضاء . فكان ابن النعمان يجلس للقضاء بجامع عمرو بن العاص في الفسطاط ، ويجلس أبو الطاهر بالجامع الأزهر في القاهرة . واستمرت الحال على ذلك حتى استقل علي بن النعمان بالقضاء في شهر صفر سنة 366 ه على أثر استقالة أبى الطاهر لشيخوخته وضعفه كما قيل . وقرئ على منبر جامع عمرو وسجل تقليد علي بن النعمان منصب القضاء في عهد الخليفة العزيز : وظل أولاد النعمان ينقلدون القضاء حتى سنة 398 ه ، فتقلد الحسين بن علي بن النعمان هذا المنصب في مصر وما كان يتبعها من الأعمال في شهر صفر سنة 393 ه ، وأسندت مقاليد الدعوة الفاطمية إلى قاضى القضاة للمرة الأولى ، فغدا يطلق عليه قاضى القضاة وداعى الدعاة » .
على أن بعض السنيين كانوا يتقلدون القضاء أحيانا ، إذ أن الفاطميين لم يسيروا دائما على قاعدة إسناد القضاء للمتشيعين خاصة . فقد أسند الحاكم القضاء لرجل من أهل السنة ، وهو أبو العباس بن العوام الحنبلي المذهب ، الذي بقي في منصبه حتى مات في عهد الخليفة الظاهر . وقد تقلد ابن العوام وخلع عليه « وأضيف إليه في الأحكام مصر وبرقة وصقلية والشام والحرمان ، ما عدا فلسطين ، فإن الحاكم
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي ) — صفحة 312
مساهمون: حسن ابراهيم حسن
ص٣١٢