منصب القضاء فيقول : « وركب بالخلع من دار معز الدولة ، وبين يديه الدبادب والبوقات وفي خدمته الجيش » .
وعلى أن القضاء قد تطرق إليه بعض الفساد ، وأصبح من يرشحون أنفسهم لتقلد هذا المنصب الخطير يتعهدون بتقديم مبلغ معين من المال يؤدونه في كل سنة ، حتى إن ابن أبي الشوارب « شرط على نفسه أن يحمل في كل سنة إلى خزانة معز الدولة مائتي ألف درهم ، وكتب بذلك سجلا « 1 » » . ولكن الخليفة المطيع لم يوافق على تقليد هذا القاضي وأمر بعدم دخوله عليه . ويقول ابن الأثير « 2 » في ابن أبي الشوارب : « وهو أول من ضمن من القضاة ، وكان ذلك أيام معز الدولة ، ولم يسمع بذلك قبله ، فلم يأذن له الخليفة المطيع للّه بالدخول عليه ، وأمر بأن لا يحضر الموكب لما ارتكبه من ضمان القضاء .
ثم ضمنت بعده الحسبة والشرطة ببغداد » .
بيد أن هذا النقص لم يكن شائعا ، فإننا نجد كثيرا من القضاة ينزهون أنفسهم عن هذه العيوب ، حتى إنهم كانوا يقبلون هذا المنصب بعد تردد ، وبعد أن يشترطوا شروطا تكفل استقلالهم وتحفظ لهم هيبتهم وكرامتهم . ويحدثنا السيوطي « 3 » أن الخليفة المعتضد ( 279 - 289 ه ) وجه « إلى القاضي أبى حازم كتابا يقول فيه : إن لي على فلان مالا ، وقد بلغني أن غرماءه أثبتوا عندك ، وقد قسطت لهم من ماله ، فاجعلنا كأحدهم ، فقال أبو حازم : قل له : يا أمير المؤمنين أطال اللّه بقاءه ذاكر لما قال لي وقت قلدنى ، إنه أخرج الأمر من عنقه وجعله في عنقي ، ولا يجوز لي أن أحكم في مال رجل لمدع إلا ببينة . فرجع إليه فأخبره فقال : قل له فلان وفلان يشهدان - يعنى رجلين جليلين ، فقال : يشهدان عندي وأسأل عنهما ، فإن زكيا قبلت شهادتهما ، وإلا أمضيت ما قد ثبت عندي ، فامتنع أولئك من الشهادة فزعا ، ولم يدفع إلى المعتضد شيئا » .
وكذلك ذكر السيوطي « 4 » أن الخليفة المطيع ( 334 - 363 ه ) . « قلد القضاء أبا الحسن محمد بن شيبان الهاشمي بعد تمنع ، وشرط لنفسه شروطا منها : ألا يرتزق على القضاء ، ولا يخلع عليه ، ولا يشفع إليه فيما يخالف الشرع ، وقرر لكاتبه في كل شهر
هامش
( 1 ) السيوطي : تاريخ الخلفاء ص 266 .
( 2 ) ج 8 ص 193 .
( 3 ) تاريخ الخلفاء ص 247 - 248 .
( 4 ) المصدر نفسه ص 267 - 268 .