فقام بحربهم عالم * بأمر الحروب تولاه حينا
فجدد سورا على الحانبين * حتى أحاطهم أجمعينا
وأحكم أبوابها المصمتات * ألوف ألوف إذ تحسبونا « 1 »
وقد عمل بعض الخلفاء على التخلص من قواد الأتراك ، فاستعانوا ببعض فرق المرتزقة « 2 » من العناصر الأخرى . فنرى المعتز ( 252 - 255 ه ) يصطنع المغاربة والفراغنة دون الأتراك . وكان ذلك سببا في قتله على أيدي الأتراك ، وكذلك كان الخلفاء العباسيون وبعض القواد يستعينون بالعناصر الأجنبية المعادية للدولة نفسها .
من ذلك أن الخليفة الراضي ( 322 - 329 ه ) استعان بالقرامطة وأدخلهم في صفوف جيشه ولم يسلم هو من أذاهم ، إذ ثاروا عليه وانضموا إلى ابن رائق الذي عمل على الاستئثار بالنفوذ دونه . « واستجاش بألف من القرامطة وجاء بهم إلى بغداد فأكثروا فيها الفساد « 3 » » . وكان هؤلاء المرتزقة من القرامطة ينضمون إلى ابن رائق تارة وإلى أعدائه تارة أخرى ، ويصبحون شرا مستطيرا على الدولة . ولا غرو ، فقد حارب هؤلاء القرامطة في صفوف ابن رائق ضد البريدى تارة « 4 » ، وفي صفوف أبى عبد اللّه البريدى تارة أخرى . فأمد أبو طاهر الجنائي القرمطي أبا عبد اللّه البريدى بجيش للاستيلاء على البصرة ، وعاونه على الخليفة المتقى سنة 330 ه ، ولم يكتف البريدى بالقرامطة بل « كان معه الأكراد والديلم » « 5 » .
ولما استبد بنو بويه بالنفوذ في الدولة العباسية منذ سنة 334 ه . قامت المنافسة بين الأتراك الذين كانوا يكونون السواد الأعظم من الجند ويتمتعون بنفوذ كبير منذ عهد المعتصم ، وبين الديلم الذين ينتسب إليهم البويهيون ، والذين اعتمدوا عليهم في إقرار سلطانهم في البلاد . وقد شعر معز الدولة بذلك فأوصى ابنه بختيار بمداراة الديلم والتودد إلى الأتراك « 6 » ، وأخذ سلاطين بنى بويه يتقربون إلى الأتراك تارة وإلى الديلم
هامش
( 1 ) الطبري ج 11 ص 97 .
( 2 ) كان الجيش يتألف من قسمين : مرتزقة وهم الذين يتناولون الرواتب من الدولة ، ومتطوعة وهم الذين ينتظمون في الجيش كلما دعا داعى الجهاد ، ويتناولون أرزاقهم في مدة تطوعهم فقط ، وتمنح أسراتهم مخصصات عينية أو نقدية .
( 3 ) ابن كثير : البداية والنهاية ج 11 ص 189 .
( 4 ) أبو بكر الصولي : أخبار الراضي باللّه والمتقى للّه ص 123 .
( 5 ) الذهبي : تاريخ الإسلام ، مخطوط ج 3 ورقة 136 .
( 6 ) انظر هذا الكتاب ص 45 .