وكانت للدولة العباسية تتخذ في كل مدينة من المدن جماعة من الجند تخضع لرئيس منهم ينوب عن صاحب الشرطة الذي كان يتخذ مقره في حاضرة الدولة أو الولاية .
ويضطلع هؤلاء يحفظ الأمن وإقرار النظام وتنفيذ أحكام القضاة والمحتسبين ، ويقومون بالعس في الليل تحت إشراف رؤسائهم . وكانت الدولة تنفق عن سعة على رجال الشرطة ، فتمنحهم الرواتب الكبيرة ، حتى كان منصب صاحب شرطة بغداد لا يقل عن منصب الوالي « 1 » . كما كانت الحكومة المركزية في حاضرة الدولة أو الولاية تعتمد على صاحب الشرطة في إقرار الأمن وحفظ النظام « 2 » . وكانت الشرطة تابعة للقضاء في أول الأمر ، يتولى صاحبها إقامة الحدود من القبض على المجرمين ، وتنفيذ أحكام القضاة . إلا أنها لم تلبث أن انفصلت عن القضاء واستقل صاحبها بالنظر في الجرائم . وكانت تولية صاحب الشرطة في الولايات الإسلامية وعزله من خصائص الوالي .
ولما فتح العرب مصر كانت الشرطة في مدينة الفسطاط . ولما تأسست مدينة العسكر سنة 132 ه أنشئت فيها دار أخرى للشرطة أطلق عليها دار الشرطة العليا ، كما أطلق على دار الشرطة في الفسطاط دار الشرطة السفلى ، وبذلك انقسمت الشرطة قسمين :
1 - الشرطة السفلى ومقرها الفسطاط .
2 - والشرطة العليا ومقرها العسكر . وربما سميت بهذا الاسم لأن مكان العسكر ( جبل يشكر وطولون ) يقع شمال الفسطاط . ومن ثم سميت الشرطة العليا « 3 » . ولما فتح جوهر الصقلى مصر نقل الشرطة العليا من العسكر إلى القاهرة . وذكر ابن دقماق « 4 » أن صاحب الشرطة توفى في نفس اليوم الذي وصل فيه جوهر إلى مصر ، فأسند عمله إلى جبر ، وبقيت دار الشرطة السفلى في الفسطاط وتقلدها عروبة بن إبراهيم وشبل المعرضى « 5 » .
وكانت الشرطة في بلاد الأندلس على نوعين : شرطة كبرى ، وشرطة صغرى ، ويقول ابن خلدون « 6 » في بيان اختصاص كل من الشرطتين ما نصه :
هامش
( 1 ) أمير على : مختصر تاريخ العرب . التمدن الإسلامي ص 260 - 261 .
( 2 ) آدم متز : الحضارة الإسلامية ج 2 ص 233 .
( 3 ) ابن ميسر : تاريخ مصر ص 45 .
( 4 ) الانتصار لواسطة عقد الأمصار ج 4 ص 11 .
( 5 ) المقريزي : اتفاظ الحنفا ص 95 . انظر كتاب « تاريخ الدولة الفاطمية » للمؤلف ص 196 .
( 6 ) انظر ص 249 من مقدمة ابن خلدون المخطوطة بالمكتبة الزكية المحفوظة بدار الكتب المصرية برقم 1016 وعليها خط المؤلف .