( د ) الحجابة :
كان معاوية أول من اتخذ الحجاب من الخلفاء بعد مؤامرة الخوارج عليه وعلى علىّ ابن أبي طالب وعمرو بن العاص ، وذلك خوفا على حياتهم ، ومنعا لازدحام الناس على أبوابهم حتى لا ينشغلوا عن مهام الدولة . وقد حذا العباسيون حذو الأمويين ، فاتخذوا الحجاب وزادوا في منع الناس من لقاء الخليفة إلا في الأمور الهامة . ومن ثم أصبح بين الخليفة وبين الناس داران : دار الخاصة ودار العامة حيث يقابل كل طائفة في مكان معين حسبما يرسمه الحجاب . ثم تطور نظام الحجابة في العصر العباسي الثاني ، فاتخذ الخلفاء حجابا ثالثا أشد من الأولين « 1 » .
ولم تقتصر مهمة الحاجب في ذلك العصر على حراسة الخليفة ومنع الناس من الاتصال به . بل تعداه إلى التدخل في أهم شؤون الدولة ، حتى إن بعضهم استبد بهذه الشؤون دون الوزراء . وكان أصحاب الدواوين يرجعون إليهم في المسائل المتعلقة بدواوينهم ولا يفصلون فيها إلا بعد الرجوع إليهم . وكثيرا ما كان الحاجب يصبح غرضا لدسائس الوزير إذا زاد نفوذه وعظم استبداده بأمور الدولة . ومن أحسن الأمثلة التي تؤيد صحة هذا الرأي تدبير الوزير أبى علي بن مقلة مؤامرة انتهت بالقبض على محمد ابن ياقوت الحاجب « 2 » .
ولم يتمتع الحاجب في الدولة الفاطمية بما كان يتمتع به من النفوذ في العصر العباسي الثاني . ويقول ابن خلدون إنه لم يكن في دول المغرب وإفريقية ذكر لهذا الاسم للبداوة التي كانت فيهم . وربما يوجد في دولة العبيديين عند استعظامها وحضارتها إلا أنه لقليل . بل إن اختيار الحاجب لم يقتصر على الخلفاء ، فقد اتخذ قاضى القضاة أو الوزير حاجبا أو أكثر يقفون بين يديه إذا جلس للحكم .
وكانت الحجابة في الأندلس تختلف اختلافا كبيرا عنها عند العباسيين والفاطميين كما تقدم ، لاستبداد الحاجب بشؤون الدولة . وأحسن مثل لذلك الحاجب المنصور ابن أبي عامر . وأصبح الحاجب يطلق عليه اسم « ذي الوزارتين يعنون بذلك للسيف والقلم » .
هامش
( 1 ) ابن خلدون : مقدمة ص 208 - 209 .
( 2 ) مسكويه : ج 1 ص 318 - 319 .