قال : لا واللّه ، ولكن أصلح الأشياء لمن ملك بلدا أن يكون كاتبه منه ، وأن يكون شمل الكاتب فيه ، فإنه يجتمع له في ذلك البلد أمور صالحة منها : أن تكون بطانة الكاتب وحاشيته في ذلك البلد فيعود مرفقه على فريق من أهله ، ومنها رغبته في اعتقاد المستغلات به فيكون صفاقا ( ضمانا ) لجناياته . وهو مع هذا وشمله ظاهرون مستقلون في خدمتي . والكاتب العراقي ليس كذلك ، لأنه يعتقد المستغلات في بلده النائي عنه وعنى ، ويستبطن الرقاع . ومن يشير عليه أن يعمر بلده الذي يعمل فيه ، وهو في كل وقت متطلع إلى بلده . فهذا السبب زهدت في كتاب سر من رأى . مع علمي بتقدمهم في الكتابة والرجاحة ، فصوبت رأيه ورأيت عذره « 1 » » .
وكانت الكتابة في عهد الفاطميين تلى الوزارة في الرتبة ، وكان الخلفاء لا يسندونها إلا لمن أنسوا فيهم الكفاية والقدرة على معالجة الأمور ، فإذا حاز صاحبها رضاء الخليفة رشحه للوزارة في أي وقت . وكان الكاتب في عهد الفاطميين يسمى صاحب الوساطة أحيانا ويقوم بعمل الوزير إذا استغنى الخليفة عن وزيره .
وكانت الكتابة في الأندلس تلى الحجابة وهي الوزارة في الرتبة ، وتنقسم قسمين :
كتابة الرسائل ، ويسمى صاحبها « الكاتب » ، ويشترط فيه أن يكون بليغا حسن الأسلوب جزل العبارة ؛ وكاتب الزمام ، ويعرف بكاتب الجهبذة ، ويشترط فيه أن لا يكون من أهل الذمة ، وتعلو مرتبته مرتبة الوزير ، وفيه يقول المقرى « 2 » : « أعظم من الوزير وأكثر أتباعا وأصحابا ، وأجدى منفعة . فإليه تميل الأعناق ونحوه تمد الأكف ، والأعمال مضبوطة بالشهود والنظار » . وكثيرا ما كان هذا الكاتب معرضا للاضطهاد والعزل والمصادرة ، ولا سيما حين ضعفت الدولة وتزعزع الأمن فيها .
وكان بعض كبار الموظفين في عهد المرابطين والموحدين يجمع بين الكتابة والاستشارة . وكان أكثر الكتاب من رجال الأدب في الأندلس الذين يعملون في بلاط ملوك الطوائف أو في قصور العمال أو النواب المرابطين ثم دخلوا في خدمة أمير المسلمين المرابطى أو في خدمة أمير المؤمنين الموحدى .
هامش
( 1 ) سيرة أحمد بن طولون لابن الداية ص 15 . حسن إبراهيم حسن : النظم الإسلامية ص 142 .
( 2 ) نفح الطيب ج 1 ص 103 .