أمثال ذلك ، مع ما تدعو إليه عشرة الملوك من القيام على الآداب والتخلق بالفضائل ، مع ما يضطر إليه في الترسيل وتطبيق مقاصد الكلام من البلاغة وأسرارها » . ولم يقل مركز الكاتب عن مركز الوزير في كثير من الأحيان حتى إن الكتابة كانت ترشح صاحبها لتقلد الوزارة .
ومن أشهر الكتاب في ذلك العصر محمد بن عبد الملك الزيات . وكان يلي ديوان الرسائل في عهد الواثق ، وهو الذي كتب البيعة بولاية المتوكل العهد . ولما ولى المتوكل الخلافة نكبه بعد قليل « 1 » . وكان الخلفاء يستعيضون الوزارة بالكتاب أحيانا ، فنرى المتوكل يتخذ أبا الوزير كاتبا له بعد ابن الزيات دون أن يلقيه بالوزير ، ونرى الخليفة المقتدر يتخذ ابن الفرات الذي تقلد الكتابة وزيرا له . وكثيرا ما نرى بعض الخلفاء يتخذون من الكتاب قوادا يعتمدون عليهم في الغزوات . وأحسن مثل لذلك محمد بن سليمان الكاتب الذي قضى على الحسين بن زكرويه القرمطي وأزال خطره عن بلاد الشام في سنة 291 ه ، كما قضى على الدولة الطولونية في مصر في السنة التالية .
ولم يكن اتخاذ الكتاب مقصورا على الخلفاء وحدهم ، بل كان عمال الأقاليم وأمراء الأمراء وسلاطين بنى بويه يتخذون كتابا يعاونونهم في إدارة الدولة . فقد اتخذ بجكم الذي تقلد إمرة الأمراء في عهد الراضي والمتقى « الكوفي » كاتبا له . وكان لهذا الكاتب أثر في تولية المتقى الخلافة . وكذلك اتخذ توزون الذي تقلد إمرة الأمراء في عهد المتقى أبا جعفر بن شيرزاد كاتبا له « 2 » . كما نرى ابن العميد وزير ركن الدولة بن بويه في الري وهمذان وأصبهان يتخذ ابن عباد كاتبا له ، يعهد إليه بتنشئة مؤيد الدولة بن ركن الدولة . ولم يلبث هذا الكاتب أن ارتقى إلى رتبة الوزارة في عهد مؤيد الدولة وأخيه فخر الدولة .
ولم تعرف الوزارة في مصر قبل عهد الإخشيديين كما تقدم ، فإن أحمد بن طولون اتخذ أحمد بن محمد الواسطي كاتبا له ، ثم اتخذ جعفر بن عبد الغفار المصري . « على أنه يظهر أنه لم يكن من الكفاية بحيث يستطيع الاضطلاع بأعباء هذا المنصب ، فأشار أحمد بن خاقان على ابن طولون بصرفه ، فقال له : أنا أحتمله لأنه مصرى . فقال له ابن خاقان : أراك أيها الأمير تفضل الكاتب المصري على الكاتب البغدادي ،
هامش
( 1 ) الطبري ج 11 ص 26 .
( 2 ) انظر ما ذكرناه في ص 32 .