في ذلك الوقت ثلاث خلافات : الخلافة العباسية في بغداد ، والخلافة الفاطمية في المهدية ، والخلافة الأموية في قرطبة ، وأصبح الناصر لا يحفل بالنظرية القديمة وهي أن الخليفة لا تصح خلافته إلا إذا كانت له السيادة على الحرمين .
وقد أفاد عبد الرحمن الناصر من هذا التغيير الخطير في نظام الحكم ، فظهر في نظر رعاياه بمظهر لا يقل عظمة عن الخلفاء العباسيين والفاطميين . أما في الخارج فقد تمتع بمركز ممتاز بين أمراء المسلمين في ذلك الحين بما أحرزه من انتصارات على الأوربيين ، حتى إن هؤلاء الأوربيين ، وعلى رأسهم أوتو الأكبر إمبراطور ألمانيا الذي أصبح فيما بعد إمبراطورا للدولة الرومانية المقدسة ، لجئوا إليه لوقف غارات عرف الفراكسينت كما تقدم .
وقد قرن عبد الرحمن اسم اللّه باسمه ، متشبها في ذلك بالعباسيين والفاطميين ، فتلقب الناصر لدين اللّه ، وسن بعمله هذا السنة التي سار على نهجها أبناؤه من بعده ؛ فتسمى ابنه الحكم المستنصر باللّه ، وتسمى حفيده هشام المؤيد باللّه وهكذا .
احتفظت الخلافة الأموية في الأندلس بقوتها في عهد الحكم المستنصر بن عبد الرحمن الناصر الذي شعر نصارى الشمال في عهده بقوة الخلافة ، وخطب له على منابر المغرب ، وقضى على نفوذ الأدارسة في بلاد الريف ولكن هذه الخلافة قد تطرق إليها الضعف في عهد هشام المؤيد بن الحكم ، الذي أصبحت أمه صبح تتمتع بالنفوذ المطلق في الدولة ، ثم تولى ابن أبي عامر الحجابة « 1 » وأصبح الحاكم الحقيقي للدولة الأموية في الأندلس ، وحجر على الخليفة هشام . الذي انزوى في قصره ، وقضى أوقاته في اللهو ، ولم يبق للخليفة معه إلا اسم الخلافة .
ولما مات ابن أبي عامر سنة 393 ه سار ابنه أبو مروان عبد الملك المظفر على نهجه في الاستئثار بالسلطة دون الخليفة ، ثم تقلد الحجابة بعده أخوه عبد الرحمن الذي تلقب الناصر ، ولكنه لم يلبث أن خلع وقتل وصلب ، واستبد بالأمور محمد بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر ( سنة 399 ه ) الذي تلقب « المهدى » . ولكن هشام ابن سليمان بن عبد الرحمن الناصر تلقب « المستعين » ، ودخل قرطبة سنة 400 ه . ثم طرد منها بيد المهدى الذي لم يلبث أن طرد بدوره وقتل ، ودخل المستعين قرطبة ثانية ، وقتل هشام المؤيد سرا وجلس على عرش الخلافة المتداعى نحو أربع سنين ( 403 - 407 ه ) ، استقل فيها كثير من أمراء الأطراف ، ثم ملك قرطبة بنو حمود الذين ينتسبون إلى إدريس بن عبد اللّه وقتلوا سليمان المستعين الأموي ، وأزالوا الخلافة
هامش
( 1 ) وهي الوزارة كما كانت تسمى في الشرق .