ومن أشهر وزراء المقتدر الوزير المصلح علي بن عيسى الذي استطاع أن يقرب بين العباسيين وأبي سعيد الجنابى زعيم قرامطة البحرين ، وأثار بذلك حنق عبيد اللّه المهدى على أبي سعيد . وكان هذا الوزير من كبار الكتاب ، اشتهر بالورع والزهد ، وفيه يقول الصولي « ما أعلم أنه وزر لبني العباس وزير يشبه علي بن عيسى في زهده وعفته ، وحفظه للقرآن وعلمه بمعانيه ، وكتابته وحسابته وصدقاته ومبراته » .
كما ضبط علي بن عيسى الدواوين ونظم شؤون الدولة الداخلية ، فاستتب الأمن في عهده بحسن سياسته ومهارته الإدارية وحرصه على نشر العدل بين الرعية ، حتى كان يجلس بنفسه للمظالم . على أن بقاء هذا الوزير المصلح في الحكم لم يطل ، بسبب إسراف الخليفة المقتدر وعزله الوزراء والقبض عليهم وتدخل النساء في أمور الدولة . وقد قيل في سبب عزله إن أم موسى قهرمانة « السيدة » أم الخليفة أرسلت إليه تطلب تقديم المال اللازم لعيد الأضحى ، ولكنه اعتذر ؛ فغضبت وأو عزت صدر « السيدة » عليه ، فقبض عليه غداة يوم الاثنين 8 ذي الحجة سنة 304 ه « 1 » .
خلف علي بن عيسى في الوزارة حامد بن العباس . وقد تم على يديه قتل الحسين ابن منصور الحلاج . غير أن هذا الوزير كان قليل الخبرة بأمور الوزارة ، فضم إليه الخليفة المقتدر وزيره السابق علي بن عيسى ، وجعله نائبا له . فاستطاع بفضل خبرته الإدارية والمامه بشؤون الدولة أن يقبض على زمام الأمور ، وأصبحت كلمته نافذة على جميع الولاة . أما الوزير حامد بن العباس ، فقد أصبح مسلوب السلطة ، وكان يلبس السواد شعار الدولة العباسية ويجلس في دست الوزارة ، ويجلس علي بن عيسى بين يديه كالنائب بملابسه المعتادة ، فسخر بعض الشعراء من شأن هذا الوزير فقال :
أعجب من كل ما رأينا * أنّ وزيرين في بلاد
هذا سواد بلا وزير * وذا وزير بلا سواد « 2 »
وهكذا ساءت حالة الوزارة في عهد خلافة المقتدر ، واضطربت الأمور بسبب هذه للسياسة التي اتبعها في تعيين وزرائه وعزلهم ، حتى تقلد الوزراة اثنا عشر وزيرا عزل بعضهم ( م 17 - تاريخ الإسلام السياسي - ج 3 )
هامش
( 1 ) هلال الصابى : تاريخ الوزراء ص 286 . ابن الأثير ج 8 ص 26 .
( 2 ) الفخري ص 242 .