انقلبوا عليه بسبب تواتر الإشاعات بأنه عزم على الفتك بهم ، ومن ثم قامت الفتن والحروب الأهلية .
وقد بلغ من تفاقم نفوذ الأتراك وخوف الخلفاء من بطشهم أن كان المعتز لا يلتذ بالنوم ولا يخلع سلاحه لا في ليل ولا في نهار خوفا من الأتراك وعلى رأسهم بغا الصغير « 1 » . وهذا يفسر لنا لما ذا عمل المعتز على اصطناع المغاربة والفراغنة التخلص من الأتراك الذين عملوا بدورهم على التخلص منه ، وطالبوه برواتبهم وثاروا في وجهه وقبضوا عليه وقتلوه بعد أن مثلوا به .
ثم ولى المهتدى ( 255 - 256 ه ) الخلافة . وكان ، كغيره من الخلفاء العباسيين ، ألعوبة في أيدي هؤلاء الأتراك وخاصة موسى بن بغا . وسرعان ما أسر وخلع وعذب حتى مات في شهر رجب سنة 256 ه « 2 » . وكان يتشبه بعمر بن عبد العزيز وبحلس للمظالم .
أما الخليفة الجديد وهو المعتمد ( 256 - 279 ه ) فقد اعتلى العرش على أيدي الأتراك الذين أخرجوه من « الجوسق » الذي حبسه فيه المهتدى ، وكان - كما يقول السيوطي ( ص 243 ) - « أول خليفة قهر وحجر عليه ووكل به » . ولا غرو فقد شل أخوه أبو أحمد الموفق طلحة يده عن مباشرة أمور الدولة حتى أصبح مسلوب السلطة .
ولم ير المعتمد بدا من مصانعة الأتراك ، وخاصة قائدهم موسى بن بغا ، الذي خلع عليه وضمه إلى ابنه المفوض ، وقسم دولته بين ابنه جعفر ، وسماه المفوض وخصه بالبلاد الغربية وضم إليه موسى بن بغا فحكمها باسمه ، وولى أخاه أبا أحمد طلحة بعد ابنه المفوض ، وسماه الموفق وخصه بالبلاد الشرقية . وبذلك ضعفت الخلافة في عهد المعتمد الذي أصبح مسلوب السلطة أمام أخيه الموفق والأتراك .
ولما توفى الموفق سنة 278 ه انتقل السلطان الفعلي إلى ابنه العباس أحمد الذي نجح في تنحية ابن عمه ، ثم بويع بالخلافة بعد وفاة عمه سنة 279 ه . ولقب المعتضد ( 279 - 289 ه ) . وكان يسمى السفاح الثاني لأنه أحيا ما درس من أطلال الخلافة حتى أصبحت قوية مهيبة وتخشاها الدول واهتم بإصلاح الحالة المالية في العراق ، فعنى بتحسين نظام الري ونظم الضرائب « 3 » .
هامش
( 1 ) المسعودي : مروج الذهب ج 2 ص 428 .
( 2 ) ابن الأثير ج 7 ص 83 - 84 .
( 3 ) الدوري : دراسات في العصور العباسية المتأخرة ص 188 - 189 .